ما أولوية «حزب الله» في هذه المرحلة؟


اذا كان كلّ طرف في الحكومة يملك هامشاً من المناورة يتيح له تنفيس احتقانه من وقت الى آخر، فإنّ «حزب الله» الذي قد يكون الأشد اعتراضا على النهج الحكومي، يبدو الأكثر انضباطا في سلوكه وردود أفعاله، على قاعدة أن الأولوية في هذه المرحلة الانتقالية هي للحفاظ على «الستاتيكو» الحالي الى حين تحسّن الرؤية في المنطقة.





"حزب الله"، حسب مصادر مطلعة، يعتبر أن "المغامرات السياسية ممنوعة في الوقت الحالي"، وانطلاقاً من هذا الواقع يشعر الحزب اليوم بانزعاج كبير من الحلفاء أوّلاً ومن الواقع الحكومي الداخلي الذي يفرض عليه حضوراً إلزامياً واستغراقاً في الكثير من التفاصيل التي لا تتناسب مع الوظيفة الاساسية للحزب، المتمثلة في مواجهة العدو الإسرائيلي وتحقيق توازن الرعب او الردع معه، لافتة الى أن الحزب يعمل قدر الامكان على مراعاة "مزاجية" وليد جنبلاط مع أنه يذهب بعيدا في خياراته المضادة، وامتصاص انفعالات ميشال عون على رغم ما تجرّه من تبعات سياسية أحيانا، ويراعي خصوصية رئيس الجمهورية ميشال سليمان على رغم المآخذ على سلوكه، ويتكيّف مع "تكتيكات" الرئيس نجيب ميقاتي ومناوراته السياسية، على رغم أزمة الثقة بينهما، ومنع انفجار علاقة الرئيس نبيه بري بـ عون، وتفهّم متطلبات الحلفاء السنة والدروز.

وتحت سقف المعادلة ذاتها اضطر الحزب الى غضّ النظر عن تمويل المحكمة الدولية، مراعياً الحاجة الى بقاء الحكومة في الوقت الراهن، ومسايراً اعتبارات الرئيس نجيب ميقاتي وضرورة تحصين موقعه دوليا وعربيا وداخل الطائفة السنية داخليا، في مواجهة الضغوط الشديدة التي يتعرّض لها من "تيار المستقبل" وعواصم القرار الدولي.

أما بالنسبة الى الحلفاء، وتحديداً حالة "عون السياسية"، يعتبر الحزب أن المحاربة له ليست متأتية فقط من الخصوم الذين يحاولون إلهاء الحزب عن دوره الإستراتيجي واستدراجه الى الزواريب الضيقة، بل هي نابعة أيضا من أداء الحلفاء الذين يعرقلون مهمته ويحتاجون الى من يتفرّغ لحل أزماتهم، كما هي الحال منذ ولادة الأكثرية الحالية التي كان يفترض بها أن تريح الحزب، فإذا بالتناحر بين مكوّناتها يتحول الى عبء إضافي عليه، وعائق أساسي أمامه.

وانطلاقاً من هذا الواقع، عمد الحزب في الفترة الأخيرة الى تشكيل لجنة هدفها الأول والأخير التنسيق في المواقف بين الحلفاء داخل الحكومة، تجنباً للانزلاق نحو المعمعات السياسية الداخلية.

ويبدي الحزب استغرابه من دخول الأفرقاء السياسيين مبكراً في الحديث عن الانتخابات النيابية، ومسارعتهم الى التحضير مبكراً للانتخابات عبر التعبئة الاعلامية والسياسية منذ الان، في حين يجب التركيز بنظر قيادة الحزب على متابعة المفاوضات بين الأميركيين والإيرانيين ومصير اتجاهات الأزمة في سوريا، إيماناً من الحزب أن الانتخابات النيابية المقبلة ستتأثر الى حد كبير بموازين القوى الاقليمية قانوناً وتحالفات.

وبما أنّ "حزب الله" على مشارف الاحتفال بذكرى عيد "المقاومة والتحرير" في 25 الجاري، تشير المصادر عينها الى أن هذه السنة تختلف عن غيرها، فالحزب يستعدّ لإقامة احتفالات ضخمة سيُصار خلالها إلى الاعلان عن الانتهاء من إعادة إعمار منطقة "الضاحية الجنوبية"، فضلاً عن التشديد على البطولات التي حققها الحزب في الصراع مع العدو الإسرائيلي.

وتلفت المصادر نفسها الى أن "قيادة الحزب" بدأت منذ فترة إجراء قراءة ذاتية نقدية تتعلق بتقويم أداء الحزب، وقد اتخذ سلسلة تغييرات تنظيمية داخلية سريّة في سبيل التفاعل والانفتاح على قوى عربية وإسلامية جديدة في عدد من دول المنطقة، في ظلّ المستجدات التي تحدث على الساحة العربية.

ويعمل الحزب حالياً على وضع خطط تكتيكية تهدف الى استيعاب التطورات العربية ومواجهة الانتقادات التي وجهت له بسبب مواقفه من الوضع السوري، والعمل على البحث عن الثغرات التي واجهت طريقة التعاطي مع هذه التطورات. وبناءً عليه، "تقرّر إحداث بعض التغييرات التنظيمية غير المعلنة عبر إنشاء ملفات جديدة وتعيين عدد من المسؤولين لهذه الملفات، وذلك لتفعيل علاقات الحزب العربية والاسلامية والدولية، والانفتاح على قوى ودول جديدة سواء في العالم العربي أو على الصعيد الدولي"، وسيعمد الحزب في الفترة المقبلة الى تقويم أداء مؤسساته الاعلامية والسياسية في سبيل مواكبة التغييرات الحاصلة في المنطقة العربية

الجمهورية