الإبقاء على «قانون الستين» انتكاسة لبكركي… والمسيحيين – كلير شكر – السفير


تعددت توصيفات وليد جنبلاط للنظام النسبي، من «جرافة» تأكل أخضر المقاعد ويابسها، إلى بوابة تعيد «وصاية عنجر» إلى بيروت، ومقصلة تريد «إلغاء» زعامة المختارة، والنتيجة واحدة: لا للنسبية… ونقطة على السطر


ومهما كدّس «النسبيون» من أسباب موجبة تحرّض على تبني النسبية في متن قانون الانتخاب النيابي، فإن «الفيتو الجنبلاطي» سيحول دون الخروج من سجن النظام الانتخابي الأكثري

في المبدأ، كُثر يؤيدون الإصلاح، لكن عملياً، القوى المسيحية في السلطة الراهنة هي الأكثر حماسة للنسبية لاعتبارات مسيحية أولا، مدعومة بموقف البطريركية المارونية التي ترفض رفضاً قاطعاً الإبقاء على «قانون الستين» كونه يقدم أكثر من عشرين مقعداً مسيحياً على طبق الغلبة المذهبية للصوت المسلم في بعض الدوائر المختلطة

لم يعد هناك من مجال للمناورة، فـالزعيم الدرزي وليد جنبلاط لن يسمح للنظام النسبي بأن يكون «سيّد القانون الانتخابي»، وقد أبلغ رئيس الجمهورية ميشال سليمان بصريح العبارة رفضه الاقتراح، وهو سيقف له بالمرصاد سواء على طاولة حكومة نجيب ميقاتي المستطيلة، أو على مشرحة البرلمان، بمساندة «الخصوم – الحلفاء» في «قوى 14 آذار»، وأولهم، «المستقبل» الذي تحجج زعيمه سعد الحريري بـ«السلاح» كي يطلق النار على النظام النسبي الذي يهدده بفقدان مقاعد، وخاصة مسيحية

وثمة من يقول في الأكثرية ان جنبلاط يقود معركة «المستقبل»، لحسابات انتخابية واستراتيجية على حدّ سواء: فهو أولاً، يسعى للحفاظ على حجمه النيابي من باب تكريس زعامته في الجبل ليس درزياً فقط، وإنما مسيحياً أيضاً، ويعني ذلك انتفاء حاجته لتحالف درزي- مسيحي قائم على الندية ما دام يجد شخصيات موافقة على ركب حافلته الانتخابية

ثانيا، يطمح الزعيم الدرزي لـ«تطويب» الحاجة إلى دوره من جانب ضفتي الصراع ليشكل «بيضة القبان»، كما هو الحال اليوم، كي يمنع الفريقين من الاستغناء عن «خدماته السياسية»، وكي يبقي مفتاح الأكثرية النيابية، كما الحكومية، في درج المختارة

ثالثا، يدرك جنبلاط، أن قدرة «حزب الله» و«امل» الانتخابية قادرة على ازعاجه في بعبدا (المقعد الدرزي الذي خسره في الانتخابات الأخيرة وكان يأمل أن يكون من نصيب أيمن شقير)، وفي المقابل، فإن الحريري قادر على افقاده مقعدا درزيا في بيروت ومقعدا درزيا في البقاع الغربي، ويستطيع ارباكه في الشوف، وخاصة من خلال الصوت السني المرجح في اقليم الخروب، في غياب الشريك المسيحي الوازن

رابعا، لا يستطيع جنبلاط ان يغيّب الاعتبار المالي والخدماتي، ويتطلب ذلك منه أن يساير السعودية وسعد الحريري

هل يعني ذلك موت النسبية أم ثمة خيارات متاحة للتفاوض؟

تجيب شخصية مسيحية بأن من حسنات طرح «اللقاء الأرثوذكسي» لصيغة أن تنتخب كل طائفة نوابها، أنه أحدث نقلة كبيرة على رقعة الشطرنج الانتخابية بقوله لـ«زميله» النظام النسبي «كش ملك».

ويسجل لايلي الفرزلي أنه نجح في خلط الأوراق الانتخابية ليس على طاولة اللجنة الرباعية في بكركي، بل على الصعيد الوطني العام

أدرك «الرباعي المسيحي» (بكركي و«التيار الحر» و«القوات» و«الكتائب») أن الفرصة التي يقدمها طرح «اللقاء الأرثوذكسي» تفوق بمقاعدها «المستعادة» كلّ التحسينات التي تتيحها الصيغ الانتخابية الأخرى، ولا يمكن التصدي لهذا الاقتراح مهما بلغ حجم الاعتراض من جانب الآخرين. فهو أوْلى بهواجس الانقراض العددي للمقاعد المسيحية، الحقيقية، وليس الاسمية، وهو الأدرى بحلولها، لا سيما أنّه قادر على تعميم ثقافة «النسبية» ضمن كل طائفة، وطرح لبنان دائرة واحدة

إن أول إنجازات الطرح الأرثوذكسي، وفق المدافعين عنه، هو الحراك الذي أحدثه في المياه الراكدة، بفعل التحدي الذي طرحه أمام لجنة بكركي، فتلقفه أركان الطاولة الذين يطمح كل منهم إلى نفخ حصته النيابية، ويدركون أن هذا الاقتراح يقوم بهذه المهمة على أحسن وجه. كما أنه من السهل الترويج له في الشارع المسيحي لكونه يلامس وجدان أهله

أما ثانية «ثمار»، الصيغة الأرثوذكسية، فكانت دفع البطريركية المارونية إلى المطالبة بتحقيق المناصفة الفعلية، كي لا تبقى حبراً على ورق

وفق تقدير المدافعين عن هذا الاقتراح، فإن القوى المسيحية لم تلتقط الإشارة التي أطلقتها صيغة «اللقاء الأرثوذكسي» إلّا بعد مرور أشهر على رميها في سوق التداول الانتخابي. إذ ان أهمية هذا الطرح تكمن في سقف التفاوض المرتفع الذي بناه، حيث صار بإمكان المطالبين بالنسبية، التلطي وراء الطرح الأرثوذكسي للوصول إلى مبتغاهم، على قاعدة «تكبير الحجر» للحصول على «المقبول» من الطروحات الانتخابية. هذا الأمر غاب عن بال من بدوا «مصدومين» بما يقرأه الفرزلي ويقدّمه على طاولتهم الانتخابية

على هذا الأساس، ترسم شخصية مسيحية رافضة لـ«قانون الستين» خارطة طريق، ثلاثية الأضلاع، لا بد من سلوكها كي ينجح المسيحيون في تحسين شروط التفاوض وفرض «أجندتهم» الانتخابية، تتضمن الآتي:

– «إن تمسك البطريركية المارونية برفض «قانون الستين» هو معبر إلزامي لفرض قانون انتخابي جديد، لا سيما ان الإبقاء على هذا القانون يعتبر انتكاسة معنوية لبكركي.. والمسيحيين».

– إن إصرار رئيس الجمهورية ميشال سليمان على رفض «قانون الستين» لصالح النظام النسبي هو ضروري للطعن بشرعية القانون المعمول به منذ العام 2005.

– «إن التقاء القوى المسيحية حول صيغة انتخابية واحدة هو «الفيزا» الوحيدة التي تسمح بفرض هذا الاقتراح على بقية الأطراف التي تصبح ملزمة بتبني «الصبغة المسيحية الاجماعية»، ذلك أن رفضها سيحرج كل حليف مسيحي للرافض في شارعه الذي سيدّفعه ثمناً باهظاً

ويقول أحد أعضاء «اللقاء الأرثوذكسي» شارحا «اذا توصل «الرباعي المسيحي» إلى صيغة انتخابية موحدة، فإنّ ذلك يخرج «القوات»، على سبيل المثال لا الحصر، من مستنقع الإحراج مع حليفها «المستقبل»، الذي يصبح مرغماً بالسير بهذا الاقتراح حتى لو لم يناسب حساباته الانتخابية، وإلّا فإن «القوات» ستدفع الثمن في الشارع المسيحي. والأمر نفسه ينطبق على الثنائي «حزب الله» و«التيار الوطني الحر».

ليس خفيا أن المعركة الانتخابية المقبلة ستدور على الحلبة المسيحية بدوائرها الموزعة بين جبل لبنان والشمال والبقاع، وبالتالي لا يمكن للحليف، سواء كان من جهة «14 آذار»، أو من خصومها، أن يضع نفسه ضد مصلحة المسيحيين الانتخابية اذا أجمعوا عليها، «لأنه لا بدّ من إظهار الحليف بمظهر القوي وليس الضعيف أو المستهتر بمصالح أبناء طائفته».

بعدما أصبحت الكرة في ملعب «الثلاثي» المسيحي: الرئاسة الأولى، البطريركية المارونية والقوى الأساسية (في الأكثرية والمعارضة)، يمكن تكوين رأي عام مسيحي لفرض تغيير قانون الانتخاب، من خلال رفض «قانون الستين» ثمّ التدرّج صعوداً نحو صيغة مشتركة تضمن تحسين وضعهم التميثيلي في مجلس النواب. ولا مجال بالتالي لإلقاء مسؤولية الفشل على القوى الأخرى. وهو ما قاله رئيس مجلس النواب نبيه بري لأعضاء اللجنة الرباعية، مرددا أمامهم أنه اذا توافق المسيحيون على اقتراح انتخابي واحد… فعندها «زيحوا من الدرب»، لأنه لا يمكن لأحد أن يقف بوجههم.