«النأيُ بالنفس» مفهوم علميّ جديد – أنطوان سعد – الجمهورية



يوم حاول البعض طرح فكرة الأحزاب الوسطية في فترة ما قبل الانتخابات النيابية اللبنانية للعام 2009، أجابه البعض الآخر "لا يمكن لنا أن نقف في الوسط بين الخير والشرّ وبين المستقيمين والفاسدين، وبين هادري المال العام والمحافظين عليه، وبين الإصلاحيّين التغييريّين والتقليديّين البائدين".
يومها، وعلى رغم صحّة طرح الوسطية في الحياة السياسية التي من شأنها أن تمنع الانقسام الحادّ بين الأحزاب السياسية المتصارعة من الوصول إلى الحكم، حيث لا بدّ للأكثريات كي تصبح أكثرية فعلاً أن تتّفق مع الأحزاب الوسطية.




وقد وصف بعض الفقهاء في القانون الدستوري والسياسي منهم
Maurice Duverger وJean Giquel بأنّ الوسطيّة تشكّل المستنقع Le Marais أو السهل La plaine، والتي تفرض على أيّ كتلة برلمانية طامحة لحَصد الأغلبية النيابية أن تمرّ بهذا المستنقع أو السهل، وهذا ما حصل في لبنان يوم قرّرت 8 آذار أن تحكم لوحدها، مع فارق بسيط أنّها فرضت على الوسطيّين أن ينضمّوا إليها قَسراً، شاؤوا أم أبوا.

لم تعجب الوسطيّة قبل انتخابات 2009 هؤلاء، وهم اليوم يُكرِهونها على التعايش معهم للحفاظ على أكثريتهم، وبالتالي دفعت بهم المصلحة السياسية السلطوية إلى القبول بما رفضوه بالأمس القريب، وهم لم يكتفـوا بذلك.

ويوم طرح حزب الكتائب في الآونة الأخيرة حياد لبنان اعتبرَ البعض الآخر أنّ هذا الطرح هرطقة لا يمكن القبول به.
لكنّ الوسطية كمفهوم علميّ يزاوج محطّات معيّنة في الحياة السياسية لبعض الأنظمة الديموقراطية المرفوضة سابقاً بالمطلق من التغييريّين، والمقبولة حاليّاً من هؤلاء لمصالح سلطويّة. وحياد لبنان في مفهومه العلميّ أيضاً المعتبَر هرطقة من البعض الآخر بات لهما (الوسطيّة والحياد) إسمٌ آخر يجمع كلّ سلبيات العمل السياسي الديموقراطي ويختصره بما يسمّى "النأيُ بالنفس".

هذا المفهوم الذي شعرت معه بأنّ القيمة الإنسانية تختفي بظلّه، وأنّ الوقوف بين الخير والشرّ بات أمراً مستحيلاً، وأنّ الامتناع عن إحقاق العدل وإعاقة عمل التحقيقات التي تجريها الضابطة العدليّة، وإهمال النازحين من الوجهة الإنسانية، وارتفاع معدّل الهدر والفساد وتراجع الخدمات… كلّها من فوائد "النأيُ بالنفس"، وقد طبّقت أيضاً هذه السياسة بحقّ إسرائيل وسوريا معاً منذ العام 2006. فالعدوان الإسرائيلي الحاصل جوّاً وبحراً وأحياناً برّاً، وكذلك الخروق السوريّة قصفاً وخطفاً وقتلاً يطبّق عليها حاليّاً مفهوم "النأيُ بالنفس".
فيا نوّاب الأمّة، إذا وجدتم أنّ الحكومة مُقصّرة أو مسؤولة إنأَوا بأنفسكم عنها، وأيّها المواطنون، إذا وجدتم تجّار مواد غذائيّة فاسدة أو موظّفين إداريّين فاسدين، وإذا وجدتم مقتولاً أو مصاباً في طريقكم أو يتيماً مشرّداً تائهاً إنأَوا بأنفسكم عنهم، ألم ينطق بهذه الثقافة وزير خارجيتنا؟

لكنّ هذه البدعة لم تُطبّق يوم أرسل "حزب الله" مجموعة لبنانية للقيام بأعمال أمنية في مصر، وقد أصدر فيها القضاء المصريّ أحكامه، واعتبر هذا التصرّف خرقاً للسيادة المصرية وتدخّلاً سافراً في شؤونها، كما لم تطبّق هذه البدعة على الباخرة المحمّلة بالسلاح المسمّاة "لطف الله"، فجاء موقف الدولة داعماً للنظام في مواجهة الشعب السوري؟
وعليه ربّما نحن لسنا أمام بدعة، بل نعمة للبنان وللإنسان والمواطن على حدٍّ سواء، هكذا يسمع المواطن اليوم من السياسيّين شيئاً وغداً نقيضَه إنْ لم نقُل الشيء ونقيضه بين الساعة والساعة.

أمّا مصدر هذا المفهوم الجديد فطبعاً ليس سويسرا الدولة الحيادية إنّما النظام السوري ومن خلفه وبجانبه أو أمامه، إنّه نظام الممانعة أي نظام الديمقراطية وحقوق الإنسان والنظام الذي حارب الفساد السياسي والإداري والأمني في كلّ الدول التي طالتها يده، وكان لبنان من بين المستفيدين من هذه الثقافة ولم يزل ينعم بها.

فللمثقّفين وعشّاق الحرّية أن يتيقّظوا قبل أن يغرقوا في سياسات لا طائل منها، وأن يستفيدوا قدر الإمكان من وصفة "النأيُ بالنفس" قبل أن تصل رياح التغيير الحقيقية التي هبّت من لبنان وإليه تعود، عندها لن يعود هناك من فائدة لهذه الوصفة وسيصبح هذا المفهوم كالمفاهيم التي خلّفها نظام الوصاية من مثل "وحدة المسار والمصير" و"شعب واحد في دولتين"، وإذا طالت فترة التلطّي خلف هذه الشعارات فإنّ فترة التلطّي بسياسة النأي بالنفس لن تطول.