بئر «حزب الـله» وغطاؤها المكشوف – نصير الاسعد – الجمهورية


قبلَ بضعة أيّام، توجّه نائب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم بدعوة إلى قوى 14 آذار من أجل "حوار بدون شروط مسبقة"(!)، وحضّها على "التوقّف عن الرهانات الخارجيّة" التي "كانت خاطئة دائماً" كما قال!.




بالكاد سمعت 14 آذار أنّ الشيخ نعيم يدعو إلى الحوار. ذلك أنّ تلك الدعوة جاءت بلا أيّ وقع… بلا أيّ تحفيز حقيقيّ على الانتباه.
فالداعي إلى الحوار "بدون شروط مسبقة" هو مسؤول كبير في حزب يفرضُ على البلاد أمراً واقعاً مسبقاً. فهل الأمر الواقع أقلّ تعطيلاً للحوار من الشروط المسبقة؟ وهل الأمر الواقع أقلّ وطأةً على الحياة الوطنيّة من الشروط المسبقة… على افتراض أنّ ثمّة شروطاً مسبقة بالفعل؟.

كذلك فإنّ الداعي إلى الحوار يتحدّث عن التوقّف عن المراهنة على تطوّرات خارجيّة، في سوريّا خصوصاً. فهل يصدّق أحد أنّ "حزب الله" مستقلّ عن أيّ ارتباطات خارجيّة في الأصل؟ وهل يقنع قاسم أحداً بأنّ الحزب لا يأخذ التطوّرات الخارجيّة في الحساب أو أنّه لا "يراهن" على الخارج، وهو الذي يخاطب 14 آذار قائلاً إنّ رهاناته هو صحيحة في حين أنّ رهاناتها هي خاطئة؟ ثمّ هل يمكن أساساً مقاربة الوضع اللبنانيّ الراهن – المقبل بدون احتساب التطوّرات والمتغيّرات السوريّة، من جانب أيّ فريق سياسيّ كان؟.

بطبيعة الحال، ينبغي لـ"الرجل الثاني" – بحسب التراتبيّة التنظيميّة المعلنة لحزب الله – أن يكون عارفاً أنّ 14 آذار لم تضع شروطاً مسبقة على أيّ حوار جدّي في أيّ يوم من الأيّام. لكنّها في المقابل دعت بإصرار إلى تحديد عنوان الحوار – أو عناوينه – وهدف هذا الحوار – أو أهدافه – من أجل أن يكون حلّ "الأزمة اللبنانيّة" متاحاً. لم تطرح 14 آذار شروطاً فئويّة ولم تستقوِ بتوازنات ومعادلات. جلّ ما طرحته باستمرار ولا زالت تطرحه هو الدولة، وحدة اللبنانيّين في الدولة، خارطة طريق الوصول إلى الدولة.

لذلك فإنّ كلام قاسم عن الحوار في السياق الذي ورد فيه، ليس جدّياً. قد يكون تعبيراً عن حاجة معيّنة لدى الحزب في الظروف الحاليّة، لكنّه بالتأكيد لا يفتح الأبواب المغلقة. فليس في هذا الكلام أيّ مبادرة نوعيّة تفرض نفسها على الواقع السياسي. وليس فيه أيّ مسعى لـ"ترميم" الثقة بين "حزب الله" وسائر الفرقاء اللبنانيّين. والحال أنّ الثقة مفقودة بحزب الله من قسم كبير من اللبنانيّين، وللحزب مصلحة في إعادة بناء الجسور المدمّرة.

بعدَ أيّام قليلة تحلّ الذكرى الرابعة لـ"إنقلاب" 7 أيّار 2008، الذكرى الرابعة لاجتياح العاصمة بيروت. فهل لدى "حزب الله" جديد يقوله في هذه المناسبة؟ هل لديه ما يتجاوز الحديث عن "يوم مجيد في تاريخ المقاومة"؟.

وتزامُناً، في "عيد الشهداء" الأحد المقبل في 6 أيّار، هل لدى "حزب الله" الاستعداد لإعلان رفع الغطاء عن المتّهمين في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، المنتمين إليه؟.

هل لدى "حزب الله" خطاب آخر يُنهي "ثقافة الفصل" التي اعتمدها، الفصل بين "أشرف الناس" وسائر اللبنانيّين الآخرين؟.

هل لدى "حزب الله" جاهزيّة لخطوة ما يسلّم بموجبها للدولة بعض ما يحقّ لها سياديّاً؟ هل يقدم على خطوة تؤشّر مثلاً إلى وقف تمدّده الأمنيّ في طول البلاد وعرضها، أو إلى وضع حدود لشبكة اتّصالاته الخاصّة؟.

ما تقدّم ذكرُه هو نوع من المبادرات التي تجعل الحديث عن حوار حديثاً ذا معنى.

لقد حقن "حزب الله" الأجواء بطريقة بالغة الخطورة.

قبل أيّام، تحوّلت جريمة قتل أقدمَ عليها موتور من الطائفة الشيعية وراح ضحيّتها مواطن من الطائفة السنيّة في بعلبك، إلى حالة غليان سنّي ضدّ الحزب الذي يُقال إنّ المجرم يحتمي به. فهل هذا ما يرضي الحزب بالرغم من محاولاته استيعاب الوضع في تلك المنطقة؟.

وقبل أيّام، تردّد أنّ "الجيش السوري الحرّ" وتنسيقيّات الثورة السوريّة وجّهوا إنذارات إلى مناطق شيعيّة في منطقتَي بعلبك والهرمل، بأنّ عداء "حزب الله" للتغيير في سوريّا والممارسات المرتكبة على الحدود السوريّة وداخلها، أمور لن تبقى بدون ردع. فهل يستطيع الحزب أن يمضي في "السياسة السوريّة" التي ينتهجها والتي تؤسّس لمناخ مناهض للشيعة، رغماً عن إرادتهم؟.

وفي الآونة الأخيرة أيضاً، ذكرت أوساطٌ متابعة أنّ "حزب الله" يحتسب في داخله لإمكان تنامي "القاعدة" وتطرّفها، وأنّه يبحث الأمر بتركيز. فكيف يكون الحزب جدّياً في هواجسه ومخاوفه وهو مستمرّ في نهج الإغلاق بوجه العلاقة بشتّى تيّارات العمل السياسي اللبناني، ومستمرّ في نهج استتباع فئات معيّنة من داخل البيئة السنّية بل وأكثر من ذلك في وقت تنمو "السلفية الشيعية" بـ "مجالسها الفاطمية" داخل الحزب نفسه.

ثمّ ما هو هذا العمل السياسي الذي يمارسه "حزب الله"، والذي يستبقي اللبنانيّين في حال من القلق والخوف على المصير، فلا شفافيّة في الأهداف السياسيّة، لكأنّما العمل السياسيّ بين اللبنانيّين ومعهم أشبه بعمليّة عسكريّة – أمنيّة سرّية تحضّر ضدّ العدوّ؟ (بالمناسبة رزق الله على أيّام العمليّات فأين هي منذ 6 سنوات؟).

فيا شيخ نعيم قاسم: إذا كان "حزب الله" مكتفياً من البلد بميشال عون فـ "صحتين على قلبه" بهذا الطرف الذي "إنتهى كازُه".

ويا شيخ نعيم قاسم: قبل أن يتحدّث "حزب الله" في الحوار، فليبادر إلى خطوات تعطي لحديث الحوار صدقيّة.

وما لم يسمَع اللبنانيّون خطاباً جديداً ويروا خطوات، لن يغريَهم كلام ممجوج عن حوار إمّا أنّه مطروح بشروط الأمر الواقع وإمّا أنّه محاولة التفاف على أزمة داخليّة.

ومرّة أخرى: هل ثمّة ما هو أسوأ من الأمر الواقع المفروض بالقوّة كي يسمح مسؤول كبير في "حزب الله" لنفسه برفض شروط مسبقة غير موجودة أصلاً؟
البئر وغطاؤها مكشوفان!