مشروع التعاون التعليمي بين لبنان وإيران بعد العراق خطة تستهدف الحرية والديمقراطية في لبنان والمنطقة



حسان القطب – بيروت اوبزرفر

السيطرة على الأوطان والشعوب لها أساليب وطرق متعددة ومتنوعة وهي ليست بالضرورة عسكرية وأمنية فقط وإن كانت هذه إحدى أهم وسائلها الأساسية، ولكن هناك أساليب أخرى أيضاً أهمها الطرق الثقافية والتربوية والإعلامية إلى جانب السياسية، ولتحقيق القدرة على تنفيذ هذا المخطط والمشروع كان لا بد من إظهار حجم القدرة العسكرية في الداخل والخارج، وأضرار وسلبيات المواجهة مع أدوات هذا المشروع على الواقع الداخلي اللبناني من كافة جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، لذلك بعد أن وضع حزب الله يده على الوضع الأمني عقب مغامرة 7 أيار/مايو من عام 2008، والتي أكد فيها قدرته على تجاوز القوانين والتعرض لأمن المواطنين دون مساءلة أو محاسبة، قضائية وحتى سياسية، وبعد أن أعطاه اتفاق الدوحة القدرة على تعطيل الحكومات وإسقاطها، ومن ثم تشكيل حكومة أمر واقع بأدوات مطيعة تنفذ ما يراه مناسباً لمشروعه وجمهوره ..وبعد أن تأكد حزب الله أن يده الأمنية أعلى وأكثر قوةً وبطشاً من سلطات القوى المحلية، وبعد أن قام بتشكيل الحكومة المناسبة لتنفيذ سياساته، مما يعني انه يمتلك السلطة العسكرية والسياسية معاً، عندها بدأ باستكمال انجاز حلقات السيطرة الأخرى على الوطن والكيان بالتعاون مع الراعي الإيراني الذي أنشأه ورعاه ودعمه منذ ثلاثة عقود فالتفت لتحقيقها الآن باسم السلطة الرسمية التي نالت الثقة من المجلس النيابي باسم الشعب وأهمها:

– استكمال مد شبكة الاتصالات بين المناطق التي يراها ضرورية لتنفيذ سياساته الداخلية وهذا ما أشارت إليه العديد من المواقع الالكترونية والصحافة المحلية وحادثة بلدة ترشيش التي رفضت السماح لحزب الله بمد شبكته في أراضيها مؤشر على أن هذه الشبكة هي موضع خلاف بين اللبنانيين، ولا يمكن فهم مد شبكة اتصال للمقاومة بعيداً عن جبهة المواجهة وحتى بعيداً عن العمق العسكري المناسب لعمل المقاومة

– محاولة إنتاج قانون إعلامي جديد عبر المجلس الوطني للإعلام وبرعاية وزير الإعلام وتوقيعه، لتعطيل الإعلام الحر أو الذي لا يرغب في استمراره ولا يخدم مشروعه

– إعادة صياغة كتاب التاريخ بإشراف مباشر من حزب الله، وخطورة الأمر أن هذا يتصل بمراحل تاريخية موضع خلاف طائفي ومذهبي بين مكونات الأمة الإسلامية، وبين طوائف واديان متنوعة تعيش مع بعضها البعض في لبنان، إلى جانب تعرضه لمعالجة مراحل تاريخية حديثة العهد هي موضع خلاف سياسي بين قوى إقليمية ودولية وأخرى لبنانية محلية لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها.. لذلك وقع الاشتباك بين قوى الأمن والمتظاهرين المعترضين قرب السراي الحكومي، وتوقف الكلام عن هذا الكتاب وموعد انجازه ولكن هذا أمر مؤقت، بانتظار أن يحين الموعد المناسب في المدى القريب…وتنفيذ الكتاب بالطريقة التي طرحت تلغي مراحل وأفكار وتاريخ معين لصالح رؤية فئوية وقراءة أخرى، مما يعني تهميش وتحطيم وتشكيك بثقافة وتاريخ قوى لبنانية معينة، وفرض ثقافة القوي على الضعيف..؟؟

– وفي سياق استكمال حلقات وضع اليد على الوطن والكيان والعبث بثقافة وحضارة هذا المجتمع اللبناني المتعدد والمتنوع جاء طرح مسودة مشروع مذكرة تفاهم لقيام تعاون تعليمي وتربوي مشترك بين وزارة التربية والتعليم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ووزارة التربية والتعليم العالي في الجمهورية اللبنانية، والمفارقة كما ذكرت جريدة النهار اللبنانية التي نشرت مسودة المشروع هو أنه نسخة متطابقة تماماً لاتفاق سبق أن عقد بين إيران والعراق، مما يعني أن الدولة الإيرانية تسعى لمد ثقافتها وبالتالي تسويق مشروعها الديني والسياسي في الدول العربية حيث يوجد أدوات لها والعراق كان الساحة الأسبق للعبث بثقافته وتاريخه العربي والإسلامي وصولاً إلى اليوم.. والآن جاء دور ساحة لبنان ليخضع للتجربة عينها باسم التعاون التربوي والثقافي.. والمنطق كان يفرض على الأقل تقديم مسودة مشروع مختلفة تراعي التباين الثقافي والاجتماعي والتنوع الديني بين دولة العراق ودولة لبنان، ولكن المشروع الإيراني لا يرانا في كلا البلدين سوى ساحات يهيئها للصراع مع من يريد ويرغب عبر ضخ مفاهيم ثقافية ودينية معينة بعد أن وضعت أدواته بل بالأحرى فرضت ميليشياته المحلية بموجب سلطتها السياسية والأمنية وبقوة الأمر الواقع حضورها على كافة المستويات الاجتماعية والتربوية وكذلك على المؤسسات الرسمية…فكيف سيتعاطى المجلس النيابي الكريم مع هذا المشروع في حال موافقة وزير التربية على مضمونه وبنوده..؟؟

– الحلقة الأخيرة من حلقات السيطرة، المفترض أن يتم تنفيذها العام المقبل حيث سيشهد لبنان انتخابات نيابية يسعى حزب الله وأتباعه خوضها بناءً على قانون انتخابي جديد يضمن لهم تحقيق سيطرة كاملة على نواب الطائفة الشيعية واقتطاع حصة وازنة من نواب الطوائف الأخرى باسم قانون النسبية والتمثيل المتوازن والعادل، وهذا ما نبه إليه وإلى خطورته النائب وليد جنبلاط والعديد من القوى السياسية الأخرى، ورافق دعوة الترويج لقانون النسبية حملة سياسية عنيفة من قبل حليف حزب الله ميشال عون وفريقه على معظم القوى المناهضة لسياسات حزب الله والنظام السوري بما في ذلك موقع رئاسة الجمهورية وشخص رئيس الجمهورية الحيادي والوسطي، في عملية ضغط ظاهرة لترهيب المعارضين وتمرير مشروع القانون واستكمال مسلسل الهيمنة ووضع اليد على الوطن والكيان..لذا لا يجب أن يمر هذا المشروع ولا يجب السماح بأن تنتهي الانتخابات النيابية المقبلة إلى نتائج يريدها ويرغبها ويتمناها حزب الله وراعيه الإيراني

إن التباين بين المجتمع اللبناني والنظام الإيراني واسع جداً، في حين أن لبنان يمثل نموذجاً للتعايش بين الطوائف والكيانات المتعددة الدينية منها والحزبية، وواحة الحريات التربوية والإعلامية والصحافية، ومركزاً هاماً للقطاعات المصرفية والسياحية والطبية والتعليمية، فإن إيران تعاني من صراعات مع مواطنيها من الأقليات العربية والكردية والبلوشية والأذرية، وحتى ضمن الأكثرية الفارسية، وتعيش في ظل نظام ديكتاتوري ديني لا يؤمن بحرية الرأي والتعدد والتنوع، ولا بسيادة المؤسسات ولا نتائج الانتخابات التي تفرزها صناديق الاقتراع
والانتخابات التي تجري في إيران إنما هي شكل من أشكال الديمقراطية الذي يفتقد المضمون واحترام النتائج، حيث يحدد المرشحون سلفاً ويستبعد آخرون دون أسباب وجيهة أو مقنعة، كما أن الحرية الدينية والإعلامية والتربوية مفقودة حيث يعاني قسم واسع من المجتمع الإيراني من الحرمان والتهميش، إلى جانب غياب حرية العمل المصرفي والسياحي وغيره.. فأي تبادل ثقافي وتربوي هو هذا الذي نتوخاه بين بلدين غير متجانسين على الإطلاق.. اللهم إلا إذا كان فريق من اللبنانيين يرى نفسه وسلوكه وعقله وثقافته مرتبطة بالمفاهيم والشعارات الإيرانية أكثر مما يشعر بالانتماء لوطنه لبنان وأمته العربية…لذلك فإن من الواجب مواجهة هذا المخطط وإفشال حلقاته وإلا فقدنا في لبنان حريتنا وثقافتنا وتنوعنا وديمقراطيتنا واستقلالنا..كما فقده العراق