//Put this in the section

بكركي والمسيحيون إلى المقاطعة مجدداً – جان عزيز – الأخبار

في ظل الأوضاع المتفجرة بين سوريا ولبنان، ووسط الأمر الواقع الفارض نفسه على الجميع، على قاعدة التفكير «كل يوم بيومه»، ثمة قلق في الأوساط المسيحية مفاده: ماذا إذا وصلنا الى الانتخابات النيابية سنة 2013 بلا «قانون عادل»؟ هل نسكت ونرضى؟ أم لدينا، واقعياً، خيارات أخرى؟

التأمت لجنة بكركي أمس في اجتماعها الأسبوعي، وبلا إعلام، لإنجاز صياغة مقترحها الثاني في شأن قانون الانتخابات النيابية. في محصلة عملها، أن إجماعاً ساد مكوناتها على رفض قانون الدوحة، أي قانون الستين، مع تعديلات 2008. وفي المقابل أصرّ مسيحيو المعارضة الحالية، بنحو قاطع ونهائي، على رفض اعتماد لبنان دائرة واحدة مع النسبية. ما فتح الباب أمام طرحين متبقيين: أول يقول باقتراع أكثري ضمن دوائر صغرى. وهو ما تم إنجازه الأسبوع الماضي، عبر مشروع قانون بنحو 50 دائرة. وثان يقول بالنسبية ضمن دوائر متوسطة، نحو 15 دائرة، هو ما تتم بلورته حالياً.
الفريق الحريري سارع إلى توجيه رسالة بتأييد مشروع الخمسين دائرة. قاصداً بذلك مؤازرة حلفائه المسيحيين وإحراج خصومه وخصومهم، فضلاً عن قطع الطريق على أي طرح للاقتراع النسبي، في ظل السلاح، وهو ما يعطي المقترحين المارونيين حظوظاً جدية في الإقرار… نظرياً. ذلك أن شلل الدولة والظروف المتدهورة من حولها كما داخلها، توحي باستحالة الوصول إلى توافق وطني على قانون نيابي جديد.

وهو ما أطلق النقاش داخل القوى الممثلة في لجنة بكركي: ماذا نفعل إذا حالت الظروف والموازين دون إقرار أي قانون آخر، وبالتالي إذا ما وصلنا الى استحقاق العام 2013، في ظل القانون الحالي؟ إنه السؤال المركزي لمعرفة نيات كل من حلفائنا المتقابلين، كما لتحديد اتجاهات الأمور، فضلاً عن تحديد القدرة الفعلية على تغيير الوضع القائم.

والسؤال مطروح انطلاقاً من الواقع الذي بات معروفاً بعقدة وليد جنبلاط. أي رفض الزعيم الدرزي الأول أي صيغة قانونية تحول دون استمرار مصادرته لعدد من المقاعد النيابية المسيحية. وهو الأمر الذي كرسته له الوصاية السورية منذ العام 1992. والمؤشر المقلق في هذا المجال أن أحد الأطراف الممثلين في لجنة بكركي بادر منذ أيام الى تسويق صيغة الدوائر المصغرة على أنها إرضاء لوليد جنبلاط بالذات، فقدم «تنظيرة» مفادها أن هذه الصيغة تضمن استمرار مفاعيل الوصاية السورية بالنسبة للكتلة الجنبلاطية. حتى أنه ذهب إلى طمأنة بطل حرب الجبل والشحار، بإعطائه نحو 12 نائباً. وذلك في مناورة مكشوفة وغبية في الوقت نفسه. فإذا كان هذا الكلام مجرد تحايل على جنبلاط واستدراج له، فالأمر كارثة. ذلك أن السياسة السوية والسليمة لا يمكن أن تنفصل عن المعيار الأخلاقي في التعاطي. أما إذا كان الكلام نفسه حقيقة، لجهة إعطاء جنبلاط هذا الحجم المنفوخ بواسطة مصادرة مقاعد الآخرين، فتكون الكارثة أكبر. إذ لماذا نقر قانون انتخابات جديداً في هذه الحال؟ يبقى السؤال: ماذا سيفعل أطراف لجنة بكركي إذا ما استمر جنبلاط في عملية ابتزازه؟

السيناريوهات المطروحة قليلة: أولها وأبسطها، هو أن يضمن ميشال عون تأييد الثنائية الشيعية لإحدى الصيغتين المتباينتين مسيحياً. بعدها يكفي أن يؤكد نواب سمير جعجع وأمين الجميّل صدقهم في تبني مقررات لجنة بكركي، فيصير المشروع قانوناً. إذ يأتي أكثريو الحكومة بـ57 نائباً، ويضيف مسيحيو الأقلية إليهم 14 نائباً على الأقل (8 من تكتل جعجع و5 من الكتائب إضافة الى بطرس حرب) فيحوز المشروع على أكثرية 71 نائباً، وينتهي ابتزاز جنبلاط. لا بل من المرجح في تلك الحال أن يمشي الفريق الحريري بهذه الصيغة لأسباب متعددة، فيصير الإقرار بشبه إجماع وطني.

لكن ماذا إذا خرج عندها من يقول، صادقا أو ساذجاً أو متذرعاً، إن قانوناً عضوياً وتأسيسياً للدولة والسلطة، مثل قانون الانتخابات، لا يجب أن يقر بلا إجماع وطني ميثاقي؟ وماذا لو ذهب هذا الرأي حتى تغطية الانسحاب من اتفاقات لجنة بكركي، والاستنكاف عن السعي الى قانون جديد، وصولاً الى الإبقاء على القانون الحالي؟

عند هذا الحد، يعتقد أطراف معنيون، أنه يصير المطلوب من بكركي نفسها، أن تعلن التالي:

أولاً، إن الأب الطبيعي لقانون الستين، الرئيس الراحل فؤاد شهاب، كان أول من نعاه. لا بل حذّر من تداعياته التفجيرية على البلاد. وأكد ذلك حرفياً في بيان عزوفه الرئاسي الشهير في 5 آب 1970.

ثانياً، إن محاولات إحراج الصرح بالقول إن القضاء كان طرح بكركي سنة 2004، لا قيمة لها. ذلك أن الوقائع والوثائق تؤكد أن البطريرك صفير يوم طرح قانون القضاء في حينه، كان يقول ويكرر لمفاوضيه: في ظل الوصاية السورية، ليس الهمّ الأساسي الآن قانون انتخابات يؤمّن حسن التمثيل المسيحي. بل المطلوب قانون يضمن وصول مجموعة، مهما كانت صغيرة، من نواب سياديين، ولو كانوا عشرين نائباً، يرفعون مطلب انسحاب سوريا من لبنان. وهذا لا يؤمنه، آنذاك، إلا القضاء. أما بعد جلاء الجيش السوري سنة 2005، فكان صفير نفسه أول المتحفظين عن قانون الستين ومتفرعاته. وبالتالي لا حرج على بكركي في هذا المجال إطلاقاً.

ثالثاً، وبالنسبة إلى اتفاق الدوحة، وبمعزل عن أخطاء التعاطي تحضيرياً ومن ثم تسويقياً وإعلامياً مع نتائجه، يظل المؤكد، أن الصيغة النهائية والمطبوعة للاتفاق، والتي حملها حمد بن جاسم الى قاعة فندق الشيراتون صبيحة 21 أيار 2008، كانت تؤكد اعتماد قانون الستين معدلاً، لكن «استثنائياً ولمرة واحدة وأخيرة فقط». لكن ملاحظاتٍ شكلية على تلك الصياغة، جعلت بن جاسم يعمد إلى شطب تلك العبارة بخط يده على باب القاعة، مع تأكيده لسائليه عن الموضوع، أن الأمر لزوم ما لا يلزم.

رابعاً، ثمة خلل ميثاقي فاضح ينتجه قانون الستين معدلاً، أي قانون 2008، فهو يستولد 17 نائباً مسيحياً في كنف الصوت السني، وخمسة في كنف الصوت الدرزي، وأربعة في كنف الصوت الشيعي.

خامساً، واستطراداً، أن نظام المثالثة الذي جعل منه البعض شعار معركته التهويلية سنة 2009، إنما هو في الواقع نتاج قانون الدوحة بالذات، بحيث لا يشارك المسيحيون وفق هذا القانون، إلا في انتخاب 38 نائباً من نوابهم الأربعة والستين فعلياً، أي أقل من ثلث المجلس النيابي حتى …

سادساً، وبمعزل عن هذه الاعتبارات، يظل الموقف الوطني المطلوب اتخاذه عند هذا الحد، أن قانون الدوحة يعني استحالة انبثاق أي أكثرية واضحة، وبالتالي استحالة تكوين أي سلطة فاعلة في لبنان. كذلك يعني بالتالي إبقاء الأوضاع في حال من الشلل، وسط تطورات عاصفة تنذر بأشد المخاطر داخلياً وخارجياً. وسط كل تلك الموجبات، تعتقد الجهات المعنية ان على بكركي والقوى المنضوية تحت لواء لجنتها الانتخابية، اتخاذ قرار واضح وصريح، بمقاطعة أي انتخابات نيابية تجرى على أساس قانون استدامة الشلل، حتى قتل البلاد. والذهاب الى تكرار تجربة العام 1992، التي رغم كل الكلام التجريحي بشأنها، نجحت في إقامة ربط نزاع مع المجتمع الدولي، على قاعدة رفض السكوت عن انتهاك سيادة لبنان. وهو الربط الذي أثمر ولو بعد أعوام. ولولاه لهضم الوطن برمته، بعدما كان قد ابتلعه كونسورسيوم واشنطن – الرياض – دمشق.

الذهاب إلى المقاطعة، هو ربط نزاع جديد مع الاتجاه الدولي الذي يحاول إحراق لبنان لتفجير سوريا، بعدما اعتمد طيلة خمسة عشر عاماً، صيغة إلغاء لبنان، إرضاء لسوريا. ربط نزاع عبر مقاطعة الانتخابات، وليتحمل جيفري فيلتمان المسؤولية، أو من يستمع إليه، إن كانوا يحتملون.