//Put this in the section

النار السورية تلامس حزب الله فينحاز إلى الحوار – هيام القصيفي – الأخبار



الدعوة التي أطلقها رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى الحوار قد تصبح مطلباً لحزب الله بعد سلسلة انكشافات داخلية، وعجز الحكومة عن مواجهة تحدياتها الداخلية والإقليمية

لم تعد الحكومة، اليوم، هي نفسها التي أُلّفت قبل عام. وسياسة النأي بالنفس التي انتهجها رئيسها نجيب ميقاتي تجاه سوريا، انحصرت بأطراف فيها فحسب، من دون رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط الذي حدد موقفه المبكر الواضح من الأحداث السورية، فيما تدرّجت مواقف الآخرين، كرئيسي الجمهورية والحكومة والعماد ميشال عون، من الدعم الثابت لسوريا النظام، في الأشهر الأولى، إلى خفوت تلقائي في المواقف، إلى حدّ الوصول إلى رفض رسالة المندوب السوري في مجلس الأمن بشار الجعفري.

منذ عام، والهدف الأساس لمكوّنات الحكومة الإبقاء على شعرة معاوية بينها للحفاظ على استمرار عملها، ما جعلها تتفادى أكثر من قطوع محلي وإقليمي. لكن السير بين الألغام ظل آمناً، قبل أن تصل النار السورية إلى شمال لبنان قبل أسبوعين. والمفارقة أن المعارضة تعاطت مع ما حصل في طرابلس وعكار، ومن ثم بيروت، على أنه استفاقة و«ردّ رجل» لأحداث 7 أيار، ما جعلها ترتد إلى المطالبة بإسقاط حكومة اللون الواحد التي أفرزها خرق حزب الله لاتفاق الدوحة. أما الأكثرية، وتحديداً حزب الله، فتعامل معها على أنها أول انعكاس مباشر للتدهور السوري عليه، وجعلته يتصرف من موقع المترقب عن بعد للتداعيات، بدليل موقفه من أحداث بيروت.

إلا أن خطف أحد عشر مواطناً شيعياً في حلب أعاد الفريقين إلى حلبة المواجهة المباشرة التي كانا يتجنّبانها منذ 7 أيار، وضاعف من «رعبهما» من أن يكون تسلسل الأحداث مقدمة لزلزال أكثر خطورة وحدّة. ولعلها المرة الأولى التي تتحدث فيها مراجع أمنية وسياسية بقلق عن المرحلة الراهنة وما يمكن أن تحمله الأيام المقبلة من دون تبلور كافة معطياتها.

وقد عكست سرعة تحرك الرئيس سعد الحريري في ملف المخطوفين، وتلقّف الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله المبادرة الحريرية، خوف الاثنين من ردّ الفعل على الأرض في حال حدوث الأسوأ، ولا سيما بعد «توازن السلاح» الأخير شمالاً. وبدا الطرفان خائفين من تلقّي كرة النار التي فاجأتهما في لحظة لبنانية حرجة. وهو أمر سبق لجنبلاط أن حذّر منه وجعله في مقدّم أولوياته، ودفعه إلى تكثيف اتصالاته مع القوى السياسية ومع الجيش الذي أرسل إليه موفدين لدعمه في مهمته وسحب فتيل أي تفجير داخلي.

وسط هذه المعطيات، بدت الحكومة الغائب الأول عن مواكبة الحدث المحلي، نائية بنفسها عن مشاكل البلد. فها هو رئيس الحكومة يعالج ملف أحداث الشمال من زاوية زعامته الطرابلسية، ويواجه وزير الطاقة جبران باسيل ملف الكهرباء وحده في وجه حليف مخفي يقف وراء قضية المياومين. وها هو الجيش يتلقّى دعماً من رئيس الجمهورية ومن القيادات بالمفرّق، فيما «يستعطي» الحاجات الأمنية والمالية الضرورية من الحكومة. وكذلك أظهر خطف اللبنانيين أن لا يد للحكومة مجتمعة في المفاوضات التي كان يقودها رئيس الوزراء السابق، ومن خلفه دول إقليمية ودولية. كذلك بدا أن لا خطة لديها لمواجهة ما يقبل عليه البلد من احتمالات تدهور الوضع، بين هجوم «المستقبل» لإسقاطها بعد الفورة الشمالية، ودعوة رئيس الجمهورية إلى إجراء حوار لا يزال بعض أطراف المعارضة يرفضه.

وإلى جانب الحكومة العاجزة، يقف أيضاً المسيحيون عند حافة الانتظار. فقياداتهم الروحية مشغولة بمواقف متناقضة، أما قياداتهم السياسية فكانوا إلى حين يبحثون في دوائرهم المقفلة في حسابات الربح والخسارة وإجراء الإحصاءات بشأن الانتخابات المقبلة وأيّهما يصلح أكثر، قانون النسبية أم تصغير الدوائر؟ أما اليوم فيواجه مسيحيّو الأكثرية تحدّي استمرار الحكومة في أي شكل من الأشكال، ما يجعلهم يخففون الضغط على ميقاتي، ومقاربة الوضع السوري بعد خفوت موقف عون تدريجاً. أما المعارضة فتنقسم بين تشدّد سمير جعجع في إسقاط الحكومة التي يشارك معظم أركانها في طاولة الحوار ولو استقالت فرضاً، وبين حياد الرئيس أمين الجميّل الذي ما كاد يلوّح باحتمال مشاركته في الحوار حتى توالت الانتقادات له.

في المقابل، يعيش حزب الله لحظة مهابة حقيقية بعد سلسلة انكشافات في وضعه الداخلي، بدءاً من المحكمة الدولية، مروراً بحرب تموز وما أحدثته من تداعيات محلية، و7 أيار وتحالفه غير المثمر مع عون، وصولاً إلى فرطه اتفاق الدوحة. وجاءت الأزمة السورية لتضاعف من حساسية وضعه، من دون أن ينفلت هذا الوضع من عقاله. لكن حدث الاختطاف قلب الموازين، لأنه أدخله إلى قلب النار الإقليمية. لذا جاءت دعوة الرئيس ميشال سليمان إلى الحوار لتنقذ الحزب في مكان ما. ورغم أن الدعوة جاءت كأنها من «حواضر البيت الرئاسي»، لكنها يمكن أن تجعل الحزب مستفيداً من هذه الطاولة كي يغطي وضعه الداخلي، بعدما طوّقته الأحداث السورية وحاصرته تداعياتها في الشمال وفي حلب. ويمكنها في ظل المواقف المتشنجة أن تساعده في لملمة بعض الانقسامات الداخلية والعبور بالبلد نحو مساحة أكثر أماناً، بعدما تقدم الوضع الأمني على ما عداه، وأصبحت معالجة التشنّج المذهبي أولوية قصوى. والحوار قد يصبح أيضاً ضرورة وحاجة ملحة في ضوء ملامح مقلقة عن الاحتمالات المطروحة إسرائيلياً للمساس بالوضع الجنوبي، وسط أسئلة لبنانية ـــ على صلة بدوائر غربية ـــ متزايدة عن احتمالات وجود فرص حقيقية للانقضاض على الوضع اللبناني. وتكثر هواجس غير طرف محلي من حدوث هذا الاحتمال في لحظة تقاطعات إقليمية بين المفاوضات الإيرانية مع الدول الخمس +1، وبين التشدد الدولي المتصاعد ضد سوريا، فيما الأرضية اللبنانية جاهزة لكل نوع من أنواع العبث الأمني.