الجيش اللبناني: عسكري محكوم بأربع زوجات – غسان الإمام – الشرق الاوسط


الخطف مدان. فهو إهانة وإذلال للإنسان. حزب الله يتذوق اليوم كأس مرارة الخطف التي طالما سقاها للآخرين، خلال حرب الرهائن التي دارت في لبنان الثمانينات، بين المخابرات الإيرانية والغربية.




لم تعرف بعد ملابسات خطف اللبنانيين الشيعة العائدين من إيران خلال مرورهم بسوريا. هل الحادث من تدبير نظام بشار، إمعانا في تصعيد التوتر بين السنة والشيعة في لبنان؟ أم أنه خطأ جسيم ارتكبه فصيل من فصائل الانتفاضة السورية؟

يبدو أن النظام السوري يحاول انتزاع المخطوفين، ومنع الثوار من إعادتهم إلى تركيا، ليتولى هو إعادتهم مباشرة إلى لبنان، لكسب «الثواب» لدى إيران و«حزب الله». النظام السوري يريد حرمان سعد الحريري من إعادتهم بطائرته إلى لبنان من تركيا، مساهمة منه في تخفيف التوتر.

أين الدولة اللبنانية من حادث الخطف، ومن كل ما يجري في سوريا ولبنان؟ حكومة نجيب ميقاتي تسربلت منذ تشكيلها بعبارة «حزب الله». واخترعت نظرية «النأي». وزير خارجيتها عدنان منصور فلسف وفسر النظرية، بأنها امتناع عن تأييد أي موقف أو قرار دولي أو عربي يدين النظام العلوي، على ممارسته قتل شعبه. فرض الحكومة الميقاتية نظرية النأي على الدولة اللبنانية أدى إلى عزلها مع جارها النظام العلوي عربيا ودوليا. وباتت مصنفة كجار مساير له.

مسايرة دولة الطوائف لدولة الطائفة (حزب الله) أوقعها في مأزق خطير مع الطائفة السنية وحلفائها السياسيين. تيار المستقبل الزعيم السياسي الأبرز للسنة يراهن على حياد الدولة، وعلى جيش الدولة وسلاحه في حماية السنة التي لم تقاتل في الحرب الأهلية. ولم تتسلح حتى بعدما اجتاح سلاح حزب الشيعة بيروت السنية (2008). وما زال مهيمنا عليها بشكل وبآخر.

إذا كانت فلسفة «النأي» الشيعية عزلت وجمدت دبلوماسية الدولة، فالدولة عمليا تتحرك داخليا، بأجهزتها وجيشها. لكن ضد من؟ ليس ضد سلاح حزب الله. وأجهزته. ودولته. إنما ضد الحركة السلفية السنية في طرابلس وشمال لبنان (عكار). هناك اليوم حرب غير معلنة، تجسدها الاشتباكات المتقطعة، وعمليات الكر والفر في المنطقة الحساسة المجاورة لسوريا شمالا وشرقا.

لا أدافع عن السلفية اللبنانية. إنما عن الليبرالية السنية. زعماؤها اليوم في غاية الدهشة. الريبة. الحيرة. الذهول، إزاء «تخويف» الدولة بجيشها للسنة، خوفا من النظامين العلوي والإيراني. ورديفهما الحزب الشيعي اللبناني.

صفقت السنة الليبرالية وتنظيمات سلفية لجيش الدولة، عندما حسم بالقوة مع السلفية الجهادية الفلسطينية المعتصمة بمخيم نهر البارد المجاور لطرابلس. وتولى تيار «المستقبل» السياسي السني إجراء مصالحة سنية / علوية في طرابلس (2008)، حيث للأقلية العلوية جيب مسلح صغير في أعالي المدينة.

هذه المصالحة تم تخريبها، بتحريض شيعي وعلوي سوري. وها هي الدولة تساير التحريض، بهذه الحرب الدائرة في مجاهل عكار، بحجة أن السلفية اللبنانية تتسلل بالرجال والسلاح عبر الحدود، لدعم قوى الثورة السورية. لا يمكن فصل السنة اللبنانية عن شقيقتها السورية. ما يصيب هذه يصيب تلك. لكن لا بد من شجاعة اعتراف السنة، بأن هناك خلايا سنية صغيرة، حربية وتكفيرية تصر على الاشتباك مع الدولة. بل ترتكب خطأ الاشتباك مع الجيب العلوي في طرابلس، كلما توترت العلاقة مع جيش الدولة.

في البحث عن أسباب الاشتباك مع الدولة، فالسلفية اللبنانية والفلسطينية في المخيمات هي ابنة الإهمال اللبناني الطويل في معالجة الفقر. اليأس. البطالة. الشاب السني في عكار أمامه خياران: التطوع في جيش الدولة جنديا، أو الالتحاق بتنظيم سلفي تقشفا وتدروشا. طرابلس وعكار بحاجة إلى خدمات عامة وبلدية. إلى ليبرالية التعليم. الكلام ليس موجها إلى الدولة اللبنانية، إنما أيضا إلى الدول العربية المانحة. فمساعداتها تصل إلى مشايخ التنظيمات، بدلا من أن تتحول إلى برامج إنمائية وإنشائية تخدم سكان المنطقة.

أعود إلى الدولة اللبنانية وجيشها، لأقول إن مقتل الشيخين السلفيين على حاجز للجيش اللبناني في عكار، يعبر عن ضيق الجيش بـ«فوضى» السنة السلفية في شمال لبنان. لا سيما بعد ضغط النظام العلوي والحزب الشيعي على الدولة اللبنانية لضبط الحدود، ومنع التسلل.

ثمة اعتقاد يراودني بأن العسكريتاريا المارونية التي حفظت للطائفة المارونية تمايزها ومكاسبها، منذ القرون الوسطى إلى غاية القرن العشرين، قد أصيبت بتعب شديد، مع الصعود السياسي والعسكري للطائفة الشيعية الأكبر عددا.

الرئيس ميشال سليمان الذي يحظى باحترام وتقدير كبيرين لدى كل الطوائف، لحياده وحنكته، يبدو اليوم أكثر استعدادا للتسليم بدور دولة الطائفة (حزب الله) ومسايرة أكبر للنظامين الإيراني والعلوي. ميشال الآخر (عون) عاد من منفاه برضا علوي. ثم دخل في حلف حكومي يهيمن عليه حزب الشيعة.

الجيش اللبناني اليوم أشبه بعسكري محكوم، في بيت الطاعة، بأربع زوجات: الأولى عجوز مارونية كفت عن الإبداع والإنجاب. الثانية سنية عاتبة. لكن وديعة. مستسلمة. الثالثة شيعية متمردة. الرابعة علوية سورية متصابية لا تكف عن «النق» والضغط.

كانت المارونية التاريخية تلجأ إلى الغرب، لحفظ هيبتها أمام الزيجات الأربع. ربما هي اليوم مستعدة لارتكاب خطأ التقدير والتفكير. فوزراء رئيس الجمهورية ينافسون وزراء عون والشيعة في زيارة طهران. هل باتت إيران ملاذا للبنان بديلا للعرب؟ أو لفرنسا وأميركا؟ لست أدري.

أجد في ولاء الأجهزة الأمنية للطوائف دليلا آخر على تهاوي سلطة الدولة الأمنية والعسكرية: جهاز «الأمن العام» يترأسه اللواء (الشيعي) عباس إبراهيم المقرب من أمل وحزب الله. هذا الجهاز هو الذي خطف الشيخ السلفي شادي مولوي من على عتبة الوزير السني الطرابلسي محمد الصفدي الممارس لمبدأ «النأي» مع رئيسه اللدود الطرابلسي السني الآخر نجيب ميقاتي. هذا الجهاز هو الذي خطف أيضا السائح القطري. فتسبب بمقاطعة خليجية لموسم السياحة اللبناني.

جهاز «قوى الأمن الداخلي» يترأسه اللواء السني المخضرم أشرف ريفي. كبار ضباط فرع المعلومات فيه تعرضوا للاغتيال، ربما من أجهزة منافسة. بل حتى الجيش اللبناني ربما تعرض لاختراق ما. الطائفة السنية تنتظر نتيجة التحقيق، لمعرفة هوية وانتماء ضباط وجنود الحاجز العسكري الذين قتلوا الشيخين السلفيين.

وحتى اختيار الرئيس سليمان للعماد جان قهوجي قائدا للجيش خضع لمساومات طائفية كثيرة. واغتيل سلفه العميد فرانسوا الحاج قائد العمليات الذي كان مرشحا لمنصب القيادة (2007) وإلى الآن لم يعرف من اغتاله؟ هل هم سلفيو «فتح الإسلام» الذين هزموا أمام قيادته للعمليات ضده في مخيم نهر البارد؟ أم راح ضحية النظام العلوي وحلفائه غير الراضين بإيلائه منصب القائد؟

لم يخسر لبنان السياح الخليجيين فحسب، سياسة «النأي» والمسايرة أفقدت الجيش اللبناني أيضا برنامج التسليح والتدريب الأميركي (1.1 مليار دولار). الكونغرس يوبخ البنتاغون على تسليمه لبنان دبابات وطائرات، يخشى أن تقع في أيدي السلفيين السنة أو الشيعة، في الفوضى التي سوف تسود لبنان، في نهاية الاحتضار البطيء للنظام العلوي في سوريا.