براءة النظام على المحك – جورج علم – الجمهورية

مباشرة، وبُعيد الإعلان عن برقيّة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز، تصدّر الرقم 11 الأولويات والاهتمامات.


غريبة هي المصادفة، يختطف 11 لبنانياً بُعيد دخولهم الأراضي السورية، فيما لبنان منشغل بالحوار، يتمعّن في نص برقية خادم الحرمين الشريفين، خصوصا لجهة دعوته التصدّي للفتنة المذهبيّة. وغريبة هي المصادفة، يختطف 11 مواطنا عائدين من زيارة العتبات المقدسة في إيران، بعيد انتهاء المفاوضات الإيرانيّة مع مجموعة الـ5+1 في بغداد، بالتفاهم على عقد جولة جديدة في موسكو قريبا.




ثمّة حقائق تفرض نفسها، الأولى: إجماع على أن الخطف حصل على الأراضي السوريّة، هذا بمعزل عن الجهة او الجهات الفاعلة، والتي سيفتضح أمرها عاجلا أم آجلا. الثانيّة: إجماع على أن الساحة السوريّة الملتهبة، إنما هي حديقة زاهية بجنسيات مختلفة من المخابرات. الثالثة: إجماع على أن "الكوكتيل" المخابراتي السوريّ – التركيّ – الإيرانيّ – المختلف كان على علم بمسار القافلة، وليس في الأمر اتهام أو افتراء، إنما المتابعات الديبلوماسيّة استندت الى المعلومات المستقاة من أجهزة الرصد والتقصّي. الرابعة: إجماع على أن القافلة ليست الأولى، بل هناك مسار طويل من قوافل الحجاج يسلك هذا الطريق. فلماذا تمّ الخطف، وفي هذا التوقيت؟ وهل خطف 11 لبنانيّا شيعيّا تمّ عن طريق الصدفة، أم عن سابق تعمّد وتصميم؟ الخامسة: إجماع على الإفلاس، و"الفوضى الخلاقة" التي طبعت أسلوب التعاطي المحلي مع هذه الحادثة، فوضى فضحت مقدار السطحيّة، والسخف، والارتجال، والتهوّر، والعجز، والتخبّط في المعالجة، أسلوب فضح مدى الهشاشة التي بلغها لبنان من منظار الدول القريبة منه، او البعيدة عنه، وفي هذا أكثر من إهانة وإدانة؟!.

وفي العمق، تجمع القراءات الديبلوماسيّة على القول إن النظام قد لا يكون متورطا، ولكنّه حتما في طليعة المستثمرين، والمستفيدين. أولاً: لأن البرقيّة السعوديّة استفزّته، وبعد سقوط معادلة (س. س.)، والدعم السعودي الواضح والعلني للمعارضة، يرى النظام بأن عودة المملكة الى لبنان من بوابة قصر بعبدا للعب دور، وَسط ترحيب من غالبيّة المسؤولين، يشكّل بالنسبة إليه تحدّيا كبيرا. ويرى أن العودة الى طاولة الحوار استجابة للإشارة السعوديّة، وموافقة السيد حسن نصرالله، تشكّلان انقلابا في المشهد الداخلي لا يمكن أن يسمح بتحقيقه، وقد يحاول مواجهته بكل الوسائل لإحباطه، حتى ولو أدى الى إلهاء الجميع بتوترات مذهبيّة – طائفيّة. ولا يسمح النظام، في ظلّ الأجواء السائدة، بدور سعودي مؤثر في لبنان، ويساعد على تمتين أواصر وحدته الوطنيّة، فيما سوريا ترقص رقصة الموت على فوهة بركان الحرب الأهليّة. إنّ خطف 11 شيعيّا لبنانيّا في سوريا – أيّا تكن الجهة الخاطفة – الغرض منه إشعال الحرب المذهبيّة، والرد على "الصاع" السعودي بـ"صاعين".

ثانيا: إن عمليّة الخطف قد أصابت شبكة الامان التي وفّرتها سياسة النأي بالنفس بعطل كبير. إنها بكل بساطة ردّ سوري غير مباشر على رئيس الجمهوريّة العماد ميشال سليمان الذي انتقد ادعاءات بشّار الجعفري واتهاماته بحقّ لبنان. وردّ أيضا على الرئيس في قوله إن لبنان آمن، ومستقر، وصَيفه سيكون مريحا وواعدا. وردّ على المساعي التي نجحت في معالجة الأوضاع الساخنة في طرابلس، ومن ثم في عكّار، والتي كادت أن تعرّض السلم الأهلي للخطر.

ثالثا: الهدف من عملية الخطف توجيه رسائل برسم الثنائي الشيعي "أمل" و"حزب الله"، هدفها تنزيه العلاقة مع النظام من بعض الشوائب التي اعترتها في الآونة الأخيرة، خصوصا أنّ في حوزة النظام الكثير من الملاحظات على أداء هذا الثنائي الذي يحاول بهدوء وديبلوماسيّة أن ينأى بنفسه شيئا فشيئا عن دعمه.

رابعا: إن الخطف وَحّد موقف الثنائي الشيعي وتيار "المستقبل" حيال هذه القضيّة الإنسانيّة، وما الاستعدادات التي شهدتها بيروت لاستقبال المواطنين الـ11 سوى دليل على ذلك، واعتبر هذا المشهد من المفاعيل السريّة لبرقية خادم الحرمين الشريفين، وبداية انفتاح لأخذ لبنان الى وضع داخلي مختلف، لا بل مغاير لِما هو عليه اليوم، وسط دعوات عن إسقاط الحكومة الحاليّة، وقيام حكومة إنقاذ وطني حياديّة تشرف على الانتخابات النيابيّة، وهذا ما لا يتوافق ومصلحة النظام في سوريا.

وفي النهاية، إن وراء الاختطاف عمل مخابراتي معقّد، ولعبة مصالح عربيّة – إقليميّة – دوليّة متداخلة في الكثير من الملفات الخلافيّة المطروحة التي تتجاوز لبنان وساحته وقدراته، وتتصِل بالعديد من الدول المعنية والمهتمة لتصبّ في خانة ملفات كثيرة متشابكة في المنطقة