التحرير والاستقلال الثاني: لماذا فشل التكامل ؟ – رفيق خوري – الأنوار

صنع التاريخ ليس عملية نهائية تتوقف بعدها الأحداث أو تتحرك في اتجاه واحد. وليس عيد التحرير والمقاومة مجرد يوم للذكرى. ولا ما يليق به وبسواه من المناسبات التاريخية في حياة لبنان، هو فقط الفخر واللغة الانتصارية بل أيضاً المراجعة واللغة الواقعية. فالبلد الصغير فعل في أيار ٢٠٠٠ ما لم يستطع فعله أي بلد عربي: تحرير الأرض من الاحتلال الاسرائيلي بالمقاومة من دون شروط. وهو حقق بالتظاهر السلمي تحت عنوان ثورة الأرز ما كان يبدو مهمة مستحيلة أو صعبة: انسحاب القوات العسكرية السورية من دون شروط. لكن الدنيا تغيرت في لبنان بعدهما بأكثر مما يتصوره عدو وما نتحدث عنه نحن يومياً من أهداف مؤامرة دائمة لا تتغير، وإن تبدلت وجوه أصحابها في العواصم

ولا مهرب من السؤال الصعب والجواب المخيف: أين صار لبنان بعد ١٢ سنة على التحرير و٧ سنوات على الاستقلال الثاني؟ لماذا يندفع في مسار انحداري بعد مسار من الصعود عبر حدثين كبيرين؟ وما الذي قاد الى العجز عن توظيف الحدثين في بناء مشروع الدولة؟ الانقسامات الداخلية المفتوحة على الصراعات الخارجية ام حرص أمراء الطوائف، برغم الخلافات بينهم، على نظام الأزمة الدائمة الذي يطرد الدولة ويضمن لهم المصالح والإمتيازات والأدوار والحصص؟




الجواب النظري هو أن التحرّر لم يكمل التحرير ولا أكمل الاستقلال الثاني. ولم يحدث التكامل بين تحرير الأرض والخلاص من الوصاية، والجواب العملي هو ان اي حدث، مهما يكن مهماً ومفصلياً، يصاب بلعنة الخلاف الطائفي والمذهبي ونقمة الأجندات الخارجية. فالخلاف على سلاح المقاومة ليس خلافاً على المقاومة ومواجهة الخطر الاسرائيلي، بل على كون السلاح في يد فئة محددة، وسط صعوبة التفاهم على استراتيجية دفاعية. وظهور السلاح في كل مكان ليس دافعاً، إلا في الخطاب، لنزعه او أقله لمنع استخدامه وفرض الأمن بالقوة بدل التراضي. والكل يعرف ان عسكرة طائفة تقود الى عسكرة اخرى

ولا أحد يجهل، في أجواء الشحن الطائفي والمذهبي، ماذا يعني بالنسبة الى بقية الطوائف والمذاهب حصر سلاح المقاومة في يد حزب ايديولوجي من مذهب واحد. ولا ماذا يعني الاستقلال الثاني الذي تحمل قضيته مكونات طائفية ومذهبية بالنسبة الى مكونات مذهبية لها موقف مختلف منه ضمن صراعات المحاور الداخلية والخارجية

أليس ما يشغل ويقلق الداخل والخارج بعد التحرير والاستقلال الثاني هو، من جهة احتمالات حرب اسرائيلية واسعة، ومن جهة اخرى انعكاسات الوضع السوري المتفجّر على الوضع اللبناني المتوتر دائماً والمتفجّر أحياناً والتشابك بين الوضعين؟