هكذا اختطفت حافلتا الزوّار في حلب


الأخبار




من هاتف محمول إلى آخر ثابت، ومن اتصال محلي إلى آخر دولي، ومن شاشة تلفزيونية إلى أخرى. هكذا كانت الحاجة حياة عوالي تتنقل أمس. تدير أمورها من دون عصبية أو تأفف على الرغم من أنها لم تنم منذ يومين، تؤكد زميلاتها اللواتي تجمعن أمس في المكتب السابق لحملة بدر الكبرى الكائن في شارع الأب كسرواني في بئر العبد. هناك تجمّع أهالي الزوّار وأقاربهم، منتظرين سماع خبر ينبئ بعودة المخطوفين الـ11. في انتظار انتهاء عوالي من حديثها المباشر على الهواء، نسمعها تكرّر ما كانت تقوله قبل دقائق عبر الهاتف لأحدهم «كنا ننوي الاعتصام لكنا عدلنا عن رأينا عندما سمعنا أن الإفراج عن الشباب بات قريباً. إذا تغيّرت المعطيات قد نعتصم مجدداً، أو نحوّل الاعتصام إلى احتفال».

صوتها الهادئ، والواثق في آن، يوحي بأنها تبلغت أخباراً جيدة. تهمس في أذن أحد الشباب، فيسأل بصوت مرتفع عن الوقت، فتجيبه: «ما بك تحكي بصوت مرتفع؟ ألا ترى أن الإعلام موجود. هذا الخبر سري». يضحك ويسأل إن كان يستطيع بيع الخبر الذي سمعه منها للتوّ. لكنها تصرّ على عدم الكلام «لا أحد يعرف ما الذي قد يحصل في الساعات الأخيرة. لن نعلن شيئاً قبل أن نتأكد أن الشباب صاروا في أمان».


الكلّ مطمئن في المكان. تكرّر عوالي ما قاله لها أحد الخاطفين: «الشباب ورقة رابحة في يدنا، فالشيعة يعزّون على النظام». لهذا هي متأكدة من أنهم لن يؤذوهم. منذ لحظة الاختطاف كانت متأكدة من الأمر، من دون أن تعرف سبباً لشعورها هذا. لهذا تصرفت برباطة جأش. تستمع إلى المحيطين بها يحكون عن رسائل هاتفية تبلّغ عن وصول المخطوفين إلى تركيا، وعن موعد وصولهم إلى لبنان، فتهزّ رأسها غير راضية «لا تصدّقوا أحداً قبل أن تعرفوا مصدر معلوماته».


حياة عوالي شريكة المخطوف عباس شعيب في تأسيس حملة بدر الكبرى قبل نحو ثماني سنوات. سافرت في معظم الزيارات الدينية التي كانت تنظّم، وتعرف الطرقات جيداً. تروي قصة الرحلة الأخيرة منذ مغادرتها الأراضي اللبنانية فجر السبت 12 أيار. كل شيء كان عادياً على الطريق، حتى أنهم توقفوا في مسجد النقطة في حلب كما جرت العادة، أدوا الصلاة، استراحوا وأكملوا سيرهم بأمان. عبروا تركيا، ووصلوا إلى إيران في اليوم الثالث. هناك، سئلوا من قبل زوّار «حملة الإمام الصدر»، التي كانت قد انطلقت قبلهم بساعات، عما إذا كانوا قد تعرّضوا لشيء على الطريق

هؤلاء كانوا قد اعتُرضوا، عند اوتوستراد حلب، من قبل عناصر «الجيش الحر» الذين صعدوا إلى حافلتهم، رحبوا بهم وتمنوا لهم رحلة آمنة. نتيجة هذا الأمر، قرّر عدد من المشاركين في الحملتين العودة جواً، خصوصاً أن شركة طيران إيرانية قدمت عرضاً خاصاً: باعت تذكرة العودة إلى لبنان بـ100 دولار.


مساء 20 أيار، انطلقت الحملة عائدة إلى لبنان. عبرت تركيا، وعندما وصلت إلى الحدود السورية في حلب، قال لهم أحد الضباط: «في باص طلع قبلكم وبطّل مبيّن». ترددوا في إكمال المسير، لكن مع انتهاء اعمال التفتيش، عاد الضابط ليقول «لقد أرسلت من يستطلع الطريق، كلّ شيء آمن».

سارت الحافلة، ليس من دون خوف. «كنا نعرف أن خطراً قد يعترضنا قبل وصولنا إلى أوتوستراد حلب الرئيسي، يعني خلال عشر دقائق». لم يستغرق الأمر عشر دقائق، إذ لحقت سيارة سوداء، بزجاج حاجب للرؤية، بالباص. «لمحت طرف بارودة تخرج من أحد الشبابيك. قلت للسائق لا تسمح لهم بتجاوزك، تجاوزونا مرة، وبعد لحظات فوجئنا بالمسلحين يخرجون إلينا من بين بساتين ضيعة غزار. هددونا فتوقفنا. صعد شابان إلى الباص، وأخذوا السائق بداية». كيف عرفتهم أنهم من الجيش السوري الحر؟ «هم عرّفوا عن أنفسهم كذلك، وكانوا يرتدون قمصاناً على كتفها علم الثورة السورية». تذكر أن عباس شعيب سأل أحد المخطوفين: هل نحن رهائن؟ فأجابوه «لا، نحن نريد حمايتكم. لقد كان المراقبون هنا اليوم وعادة عندما ينسحبون من منطقة ما يشن النظام هجوماً». لم يصدّقوا هذه الرواية، لكن لم يكن أمامهم إلا الاستسلام. نقلوا إلى أحد البساتين حيث فصل الشبان عن النساء، وطلب من الاخيرات الذهاب إلى اقرب مركز أمن للتبليغ. كان ستة شبان في حملة الصدر مكبلين، وكبّل خمسة من «بدر الكبرى». قالت لهم عوالي «لن أذهب من دون النسوة في الحملة الأولى» وفي بالها أنهم سيرفضون فيبقونها، «لكنهم وافقوا». تؤكد أنهم لم يتعرّضوا إلى سوء معاملة، فيما تنقل عن زوار الحملة الأولى تعرّضهم لمضايقات «حتى أني شاهدت على الطاولة أمامهم أكياس أموال وهواتف خلوية سرقوها من الزوّار». وقد يكون التبرير أن الخاطفين أرادوا الاستعجال في إنهاء المهمة.


توجهت الحافلة، بقيادة مساعد السائق المخطوف، السوري الجنسية، إلى مركز الأمن في حلب، ومن هناك إلى فندق أرز لبنان. كانوا ينوون البقاء في سوريا حتى الإفراج عن زملائهم، «لكن العجقة أمام الفندق، ومبادرة عدد من السوريين إلى تطويق الفندق والإعلان عن رغبتهم في حمايتهم، جعلتهم يوافقون على عرض العودة إلى لبنان… منتظرين عودة زملائهم.