هل ينقل بولمان الزوار اللبنانيين… إلى الحوار؟ – نبيل هيثم – السفير


لأن المصيبة تجمع، فإن الخوف اللبناني كان مشتركاً، في الأيام الأخيرة، من عكار إلى الضاحية الجنوبية مروراً ببيروت وطرابلس وبقية نواحي لبنان.


وإذا كانت تداعيات أحداث بيروت وطرابلس وعكار قد انتهت سياسياً وأمنياً الى حد كبير، وبقي الجزء القضائي مشرعاً، فإن قضية خطف اللبنانيين العائدين من زيارة العتبات المقدسة في إيران عن طريق سوريا، فرضت أوسع تعاطف لبناني، باعتبارها قضية انسانية بامتياز.

ووجد قيادي حزبي لبناني في فريق الثامن من آذار في هذه الحادثة «فسحة امل»، مستشهداً بموقف لبنان الرسمي واستنفار أركان الدولة «وثمة كلام رئاسي مسؤول، قيل ليل أمس الأول، لمستويات رفيعة في الادارة الاميركية، كان له أثره البارز، في سلوك القضية المنحى الإيجابي، كما يسجل لقيادتي «حزب الله» و«أمل»، وخاصة للسيد حسن نصر الله، القدرة على احتواء الشارع ومنع انفلاش التحركات الغاضبة أو استغلالها وانفلاتها الى ما لا تحمد عقباه».

يسجل القيادي نفسه لزعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري تجاوزه المعابر السياسية المغلقة منذ فترة طويلة، مع قوى الثامن من آذار، ومبادرته بعد طول انقطاع الى الاتصال بالرئيس نبيه بري وإدانته جريمة الخطف واعتبارها «خطفاً لكل اللبنانيين».

غير أن «فسحة الأمل»، كما يقول القيادي الحزبي نفسه، تنتفي صلاحيتها «ما لم تقترن بأفعال تترجم الرغبة في صياغة تواصل جدي بين القوى المحلية ومحاولة ملاقاة بعضها البعض في منتصف الطريق».

هل تمكن الاستفادة من صدمة خطف الزوار على قاعدة «رُب ضارة نافعة»، بالذهاب مجدداً الى طاولة الحوار؟

«هذا السؤال طموح جداً»، يجيب القيادي الحزبي، الا ان حادثة الخطف، أفرزت الآتي:

– أظهرت حادثة الخطف وجه شبه كبيراً جداً بين «بولمان الزوار» و«بوسطة عين الرمانة» التي اشعلت الحرب الأهلية في لبنان، لكن بمفاعيل قد تكون أخطر بمسافات شاسعة عن «حرب السنتين» وفظائعها. وبناءً على تلك التجربة، فإن العاقل لا يقع في الفخ نفسه مرتين.

– قدمت المجموعات المسلحة من خلال عملية الخطف شهادة صريحة وموثقة بأنها ليست ثورة تتوخى الحرية والاصلاح، بل هي كناية عن قطّاع طرق تستهدف نسوة ومواطنين مدنيين آمنين لا ناقة لهم ولا جمل في كل ما يجري.

– أوقعت الحادثة حلفاء المعارضة السورية في لبنان في مأزق، وجدت نفسها معه مضطرة الى التبرؤ منها كي لا تُتهم بأنها تؤيد عملية الخطف.

– عززت الحادثة الخشية من ان يكون خلف ما اقدمت عليه المجموعات المسلحة ضد الزوار، محاولة جدية لنقل عدوى الصراع المذهبي الى لبنان.

– دفع لبنان على مدى اشهر الازمة السورية ثمناً باهظاً في أمنه واستقراره وسياحته واقتصاده، وكل ذلك نتيجة تبرّع بعض القوى فيه بحمل راية إسقاط النظام السوري. وبعد سنة وأربعة أشهر، ثبت لتلك القوى أن نظام بشار الأسد ما زال ممسكاً بزمام الامور، بينما المعارضة تتفسخ وتدفع سلوكياتها المتشابهة الى حد كبير مع سلوكيات النظام، الى جعل مواقع دولية وإقليمية تعيد مقاربة كل ملف الأزمة السورية.

– إن سياسة «النأي بالنفس» عن الأزمة السورية اثبتت بما لا يقبل ادنى شك انها اصلح وصفة للواقع اللبناني.

يتوقف القيادي الحزبي الذي ينتمي الى فريق الأكثرية عند التشجيع السعودي على الحوار الوطني، كما عبر عن ذلك الملك عبد الله بن عبد العزيز في برقيته الى الرئيس اللبناني ميشال سليمان، وفيها أيضا تشجيع على المضي في خيار النأي بالساحة اللبنانية عن الصراعات الخارجية، خصوصاً الأزمة السورية. ويقول «ان القلق الدولي الجدي من تدهور الوضع في لبنان، تزايد في الآونة الأخيرة، وكان لافتاً للانتباه ارتفاع حدة التحذير الروسي من انتقال الازمة الى لبنان والخشية من تصاعد التوتر بين السنة والشيعة»، على حد تعبير وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.

يقرأ القيادي الحزبي في الموقف الروسي إشارتين بارزتين: الأولى، عندما تؤكد روسيا على لسان وزارة الخارجية، ان القوى التي حاولت إسقاط النظام في سوريا تريد ان تنقل التجربة الى لبنان المجاور. فمن جهة، تشير الى فشل تلك القوى، وتؤكد من جهة ثانية ان نظام الأسد اصبح على قدر كبير من الثبات والتماسك ولا خوف عليه.

أما الإشارة الثانية، فمفادها ان الموقف الروسي يعكس ليس التزام موسكو بحماية نظام الأسد، بل درء المفاعيل الأمنية اللبنانية، بدليل الدور الروسي في إلقاء القبض على سفينة السلاح «لطف الله 2» في الشمال اللبناني.