مسيحيو المعارضة يغتالهم حلفاؤهم – جان عزيز – الأخبار

كان مسيحيو المعارضة الحالية يتوقعون دائماً أن يحاول عدوّ مجهول ما أن يغتال أحد رموزهم. لكنهم لم يتخيّلوا، للحظة، أن يقوم حليف معروف باغتيالهم جميعهم… تلك حالهم هذه الأيام. بدليل صمتهم البليغ، ونأيهم بأنفسهم عن تطورات خطيرة ضربتهم في أعمق ما كانوا يرسملون من خطاب وشعارات.

غير أن أسوأ ما في اغتيال مسيحيي المعارضة، ثلاثة عوامل. أولها أنه وقع بنيران حليفة. وثانيها أنه حصل في توقيت قد يكون الأكثر أذى، مع بداية سنة انتخابية. وثالثها أنه جاء اغتيالاً شاملاً ومتمادياً، بحيث أصاب كل مكوّنات هذا الفريق، وكل مضامين سياسته.

تكفي مراجعة الشعارات الانتخابية التي رفعها مسيحيو المعارضة الحالية في وجه خصومهم إبان انتخابات العام 2009 النيابية. ومن ثم التدقيق في ما تبقى منها في ظل تطورات الأيام الماضية، ونتيجة خطوات حلفائهم خلالها.

شعار أول وأساسي رفعه هؤلاء، عنوانه سوريا. تندرج تحته تفاصيل كثيرة: من الماضي وزمن الوصاية الثقيلة، إلى الحاضر واتهام دمشق باستمرار إمساكها بملفات أمنية وسياسية في لبنان، وصولاً الى المستقبل ورفض «عودة عقارب الساعة إلى الوراء». في الأسابيع القليلة الماضية، ذهب حلفاء مسيحيي المعارضة، في «المستقبل» وملحقاته، الى التماهي كليّاً مع ثوار برهان غليون. فيما هؤلاء في صراعين مريرين بلا أفق. واحد داخلي متشعب في ما بينهم، وآخر مع الحكم الذي لم يسقط. فضلاً عن دخول سوريا كلها في مرحلة من الفوضى وملامسة مخاطر الحروب الأهلية أو حروب الاستنزاف الإرهابية والدم العبثي. هكذا، سقطت ورقة التهويل على المسيحيين بسوريا. لا بل بدأ ينمو لدى هؤلاء شعور مناقض. لا الخوف من دمشق، بل الخوف عليها. لا الرفض لنظامها، بل الذعر من بدائله ومما قد يأتي بعده، في ظل النماذج المرعبة من صنعاء الى طرابلس الغرب…

شعار ثان رسمل عليه مسيحيو المعارضة الحالية طيلة أعوام، هو سلاح حزب الله. سيل غزير من الكلام والكتابات والأفلام ومختلف الوسائل الدعائية، خُصّص لترهيب المسيحيين من سلاح الحزب، ومن مشروع الحزب: من التشادور وولاية الفقيه، إلى دويلة الضاحية ــــ الأمة والإلحاق الفعلي بإيران عبر الهلال الشيعي… فجأة، وخلال أيام معدودة، انبرى حلفاء مسيحيي المعارضة أنفسهم، إلى تقديم صورة مناقضة: غابة من السلاح المتفلّت المتسيّب الفوضوي حتى الإطلاق، على كامل جغرافيا هؤلاء الحلفاء. من الطريق الجديدة وفردان إلى الناعمة والبقاع الأوسط، وصولاً الى قندهار طرابلس وتورا بورا عكار. علماً أن في هذه الصورة ما يظلم أهل تلك المناطق، ويعطي انطباعاً معمّماً وبالتالي مغلوطاً عن مناطقهم المسالمة. لكن للرأي العام منطقه الخاص. ووفق هذا المنطق بات الشارع المسيحي المؤيد للمعارضة مصدوماً اليوم حيال تصرف حلفائه: كيف سنخيف المسيحيين بعد الآن من سلاح حزب الله؟ وهو لولا بعض الكليبات التي تعرضها «المنار»، لما أمكننا القول إننا رأيناه يوماً. أما سلاح حلفائنا فيذكّرنا بحروب أزقتنا وزواريبنا ومعارك الأبوات. ماذا سنقول بعد اليوم للمسيحي في زحلة أو الأشرفية بمقاعدهما الاثني عشر؟

شعار ثالث أقل سفوراً، نظراً إلى حساسيته، كان يستخدمه مسيحيو المعارضة في حملاتهم الدعائية: حلفاء ميشال عون يمثلون «الأصولية الدينية المذهبية». أما حلفاؤنا فيمثلون التقدمية العلمانية العصرية. فجأة ظهر وجه آخر من وجوه «السماء الزرقاء». وجه يحسبه مسيحيو المعارضة أنفسهم آتياً من عصور سحيقة. تغطيه لحى متروكة منذ طلعت، وعمامات كل واحدة منها مرجعية تقليد واتجاه سلف. فجأة سقطت ميزة «الكرافات»، وخبرية أن حلفاءنا يتكلمون لغة «داو جونز»، ويشبهون جيل «مارون دوت كوم». لا بل أكثر من ذلك، والأخطر، أنه بين طرابلس وعكار تأكد أن ربطات العنق وأهل قريطم ــــ ستريت، لا يمونون على لحية واحدة، ولا يضبطون عمامة واحدة. بل العكس تماماً هو الصحيح…

لم يكن ينقص غير الجيش. كأنها رصاصة الرحمة قرر حلفاء مسيحيي المعارضة إطلاقها على رؤوسهم، حين أطلقوا النار فعلياً وسياسياً وإعلامياً على الجيش اللبناني. تلك المؤسسة التي لا تزال في وجدان المسيحيين متجلببة بشيء من الأسطورة. إما لجنون البعض ممن لا يزال يعيش في زمن فؤاد شهاب. وإما لواقعية البعض الآخر الذي يدرك أن لا مسيحيين بلا دولة، كيفما كانت. ولا دولة بلا جيش كيفما كان. فكيف إذا كانت السلفيات الأصوليّة العنفيّة هي من يستهدف الجيش؟

هكذا اغتيل مسيحيو المعارضة على أيدي حلفائهم. يتعزّون اليوم أن الانتخابات ليست غداً. وقد لا تكون. ماذا وإلا، وبمراكمة موقف بكركي إلى كل ما سبق، يصير وضع هؤلاء حالة إفلاس كامل، مع بعض شيكات بلا رصيد… سنة واحدة فاصلة، هل تكفي لعودة السيولة … السياسية؟