قبل الانتحار المزدوج ! – نبيل بومنصف – النهار


لعل اسوأ المخاوف التي اشعلتها الرياح الشمالية الخماسينية في طول البلاد وعرضها، هي في ايقاظها ذعر اللبنانيين من حال مستعصية على الشفاء يسميها بعضهم قدرا وبعضهم الاخر لعنة، وفي الحالين هي آفة القفز الطوعي الى الحريق كأنه الشغف بالنار





أياً يكن التفسير البسيكولوجي والاجتماعي للتركيبة اللبنانية الطوائفية الموظفة اصلا للاستخدامات الخارجية "غب الطلب"، فان خطرها المعمد بالدمار والدماء والهجرة والتقهقر عند كل حقبة الى اسوأ مما قبلها ثابت ثبات تاريخ الحروب والازمات اللبنانية


لا يعنينا بصراحة، نحن العاديين المتلقين جرعات تذويب الاعمار تباعا وجيلا اثر جيل، اي منطق سياسي الان يبرر لهذا ويدين ذاك.

وحتى لو اخذ على قلة من اللبنانيين او كثرة عبثيتها في اهمال المنطق السياسي بكل تشعباته وتعقيداته، ثمة اكثر مما يبرر لهؤلاء العدميين الذين هم في وحشة التهميش ذعرهم الى حد الظن ان قيام دولة في بلدهم اضحى فعلا حلما في غياهب النسيان. ما يتراءى لهؤلاء المذعورين الآن، هو ان لبنان قفز الى الحريق في ثورة 1958 على وقع المد الناصري فاشتعل. ثم ما لبث ان قفز الى الحريق عام 1975 على نار القضية الفلسطينية ودويلتها المتمددة من الجنوب الى "آمر العمليات" في بيروت، فالتهب ودمر سحابة 15 عاما في حرب اهلية وماكرو عربية – دولية سواء بسواء. وحتى بعد الطائف وسلمه الاهلي، لم ينفك لبنان يتراقص على حبال الاضطرابات في ظل ذاك النظام الامني حتى كانت فتنة الاغتيالات والانفجار في وجه الوصاية السورية وصولا الى 7 ايار الشهير. والآن ترانا على ذعر اشد امام بوادر القفز الى الحريق على وقع معادلة انتحار مزدوج عريض قطباه يتأهلان للقتال بالواسطة عن النظام السوري ومعارضيه. في المنطق العبثي هذا، تضيع الحقائق والحقوق بلا شك. فلا يمكن واقعا المساواة بين تأييد ثورة محقة على النظام السوري وتأييد النظام نفسه،لانها مساواة جائرة بين الجلاد وضحيته بكل المعايير الاخلاقية والادبية والحقوقية

ومع ذلك الذعر مشروع تماما حين يتراءى للمكتوين بنار الفتن التاريخية ان الحق وحده لا يسوغ الانزلاق الى وسائل تفضي الى تحكيم العنف السياسي تكرارا. هذه المعادلة التي ارتسمت في اسابيع ايار جعلت لبنان ساحة معادلة لتوازن رعب مخيف حيث يستسقي السلاح السلاح. هي معادلة طائفة مسلحة في مواجهة طائفة مسلحة، وليس اقل من ذلك. وثمة الكثير مما يبرر ذلك، ولكن ثمة الكثير ايضا مما يخيف منها. فهل نمضي اذن الى الحريق، ام نكسر اللعنة التاريخية بشيء ما يعيدنا من عبثية مرضية؟