الهدف المرحلي: دفع ميقاتي إلى الاستقالة – شارل جبور – الجمهورية

شكّلت الأحداث المتعاقبة التي بدأت مع اعتقال شادي المولوي وصولاً إلى مقتل الشيخ أحمد عبد الواحد ورفيقه، وما تخلّلها وأعقبها من انتفاضة سنّية غاضبة تفجّرت إثر التطوّرات الميدانية الأخيرة المتمثّلة بضرب البيئة الحاضنة للثورة السورية زائد تراكمات المرحلة السابقة، شكّلت كلّ هذه الأحداث فرصة تاريخية للرئيس نجيب ميقاتي من أجل التذرّع بها للاستقالة من الحكومة، والتفلّت من قبضة النظام السوري و"حزب الله" وإعادة تصحيح الخطأ البنيوي الذي ارتكبه بقبوله رئاسة الحكومة، وبالتالي استقالته لو تمّت كانت بمثابة الخطوة التعويضية التي تعيد تعزيز رصيده، خصوصاً إذا ما ربطها برفضه الاستهداف المبرمج لطائفته.

ولكن أن يرفض ميقاتي الاستفادة من هذه اللحظة التي جاءته على "طبق من فضة"، لا بل أن يدبج ردّاً قاسياً على كتلة نواب "المستقبل" التي دعته إلى الاستقالة، وأن يضرب عرض الحائط كلّ حالة الغضب التي ظهرت في الشارع، يعني أنّ الرجل متمسّك بتفويض "حزب الله" له، وهو يتعاطى مع هذه المسألة على قاعدة "أنّ من رشّحني إلى هذا الموقع له وحده الحقّ بسحب الثقة مني"، أي أنّ رئيس الحكومة ما زال مصرّاً على إبقاء مبادرة إسقاط الحكومة أو عدمها بيد الحزب الذي لا مصلحة له في إسقاطها نظراً لعجزه عن تشكيل أخرى، وحرصه على مواصلة الإمساك بالقرار السياسي للدولة اللبنانية.




فأمام هذا الواقع، وتأسيساً على الأحداث الأخيرة لا بدّ من وضع توجّه يحقّق أربعة أهداف:

– أولاً، إسقاط الحكومة عبر الضغط على رئيسها للاستقالة، واللحظة الحالية أكثر من مؤاتية ربطاً بالتعبئة القائمة داخل الشارع السنّي الذي يعتبر أنّ ما حصل يتجاوز الأحداث الأمنية، على خطورتها، إلى توفير رئيس الحكومة الغطاء مجدّداً لاستهداف الحالة السنّية المعارضة، وكأنّ ميقاتي، بالنسبة إلى الشارع السنّي، لم يتّعظ من تجربته بتوفير الغطاء لـ"حزب الله" بغية ضرب "الحريرية السياسية" عبر إخراجها من السلطة، إنّما أسهم في كشف البيئة الحاضنة للثورة السورية والنيل منها وتسهيل ضربها في محاولة لإعادة إنتاج أحداث 7 أيّار أخرى، الهدف منها كسر إرادة أهل السنّة في الشمال.

ولعلّ المستغرب، أنّ الضغط الذي تعرّض إليه الرئيس عمر كرامي بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري ودفعه، بعد أسبوعين على جريمة العصر، إلى إعلان استقالته أمام مجلس النواب بشكل مفاجئ لا يمكن مقارنته بالضغط الكبير الذي يتعرّض إليه ميقاتي اليوم. وبالتالي، على رغم ارتباط كرامي عضوياً بالمحور الممانع، إلّا أنّه حافظ على هامش مناورة واستقلالية لم يظهره ميقاتي الذي كان يجب أن يرمي استقالته في وجه الجميع، خصوصاً أنّ تبعات الأحداث الطرابلسية والعكّارية دفعت بعدد كبير من الدول الخليجية إلى الطلب من رعاياها مغادرة لبنان، وهذه الرسالة كان يفترض به أن يتلقّفها ويعمل بموجبها لا بعكسها.

– ثانيا، استيعاب الشارع الإسلامي وردود فعله، الأمر غير الممكن ما لم تستعِد 14 آذار المبادرة السياسية، وذلك قبل فوات الآوان، خصوصاً أنّ خروجها من الشارع وتراجع حضورها السياسي وسفر الرئيس سعد الحريري أفسح في المجال أمام نشوء حالات على يمينها ويسارها، وهذا الوضع مرشّح للاتّساع، الأمر الذي ينعكس سلباً على مستقبل هذه الحركة وأهدافها الوطنية ما لم تستعِد صفة المرجعية وتظلل الجميع تحت سقفها.

– ثالثا، إجراء الانتخابات في ظلّ حكومة حيادية مهمّتها إنجاز قانون تمثيلي ومتوازن والإشراف على العملية الانتخابية بعيداً من محاولات التزوير وممارسات الترغيب والترهيب…

– رابعاً، إعادة التوازن إلى المشهد السياسي بعد الانقلاب الذي نفّذه "حزب الله"، هذا الانقلاب الذي لم تعد مقوّماته متوافرة من الأزمة السورية إلى التموضع السياسي للنائب وليد جنبلاط، فضلاً عن أنّ "تشليح" الحزب ورقة الحكومة مسألة بغاية الأهمية، وبالتالي تشكيل أخرى لا تخضع لإملاءات سوريا والحزب.

إنّ دفع رئيس الحكومة إلى الاستقالة لم يعد أمراً متعذّراً بعد التطورات الأخيرة المتّصلة بانتفاضة الشارع السنّي والرسالة الخليجية وآخرها برقية الملك السعودي إلى رئيس الجمهورية ودعوته إلى التدخل وإنهاء الأزمة، إنّما يبقى على 14 آذار أن تتخذ قراراً مركزياً، وتذهب إلى ترجمته العمليّة مستخدمة كلّ الوسائل الديمقراطية المتاحة لدفع رئيس الحكومة إلى الاستقالة.

ولعلّ تحويل طرابلس إلى مدينة أشباح وإقفالها لغاية إعلان الميقاتي استقالته باتت في متناول اليد، وهذه خطوة من خطوات يفترض اللجوء إليها بغية تفويت الفرصة على النظام السوري إدخال لبنان في حرب أهلية.