نظام الأسد خطرٌ تقسيميّ داهم – نصير الاسعد – الجمهورية

ما يُعدّ لطرابلس – وللشمال عموماً – من جانب النظام السوريّ أبعد وأخطر بكثير من الظاهر.

فبينَ رسالة بشّار الجعفري إلى الأمين العام للأمم المتّحدة من ناحية وتصريحات رفعت عيد من ناحية ثانية، يكشف نظام الأسد بعضاً من مخطّطه.
رسالةُ الجعفري تفيض أكاذيب بشأن تحوّل الشمال وعاصمته مقرّاً لـ"القاعدة" ولـ"الجيش السوريّ الحرّ" بدعم من "تيّار المستقبل" (!).




وعيد يطالب بدخول جيش الأسد إلى المنطقة. وما يكشفه الإثنان إذاً أنّ ثمّة استهدافاً عسكرياً – أمنياً للمنطقة الشماليّة من لبنان بشكل خاص وأنّ "الدخول" إليها مطروح سوريّاً.

غير أنّ الوضع يستدعي عدم التوقّف هنا فقط. يستدعي الانتباه إلى أنّ الأمر يتجاوز "منطق" تصدير أزمة نظام الأسد إلى لبنان. ذلك أنّ قراءة السياق السوريّ لما جرى في طرابلس وما يجري وما سوف يجري تقودُ إلى مكان أبعد من ذلك.

منذ فترة غير قصيرة، وتحت وطأة عجزه عن قمع الثورة السوريّة وإهمادها، وفي ظلّ تفكّك قبضة السلطة على مناطق سوريّة عدّة، يبدو أنّ نظام الأسد لجأ إلى "الخطّة ب". وفي إطار هذه الخطّة يسعى النظام إلى إقامة "مناطق إنكفاء"، أي إلى إقامة ما اشتهرت تسميته بـ"الكانتون" أثناء الحرب اللبنانيّة.

"الكانتون"، هنا هو "الكانتون العلويّ" أو "الدويلة العلويّة". وفي هذا الإطار يدعو التابعون – الخبراء إلى ملاحظة طبيعة الحركة العسكريّة لـ "كتائب الأسد" داخل سوريّا.

حركة تركّز على مناطق الساحل من جهة وعلى مناطق الحدود مع العراق من جهة أخرى. حركةٌ في وجه الغالبيّة السكّانيّة السنّية، تنطوي على عمليّات تهجير وتطهير.

إستعادة السيطرة على كامل سوريّا تمثّل الحدّ الأقصى.. وإقامة "الكانتون" تمثّل الحدّ الأدنى، عِلماً أنّ "الكانتون العلويّ" يستلزم عمليّات جراحيّة لأنّ الجغرافيا السوريّة خلال العقود الماضية أنهت مناطق علويّة صافية ومحدّدة وواضحة. تلك هي إذاً معادلةُ نظام الأسد الحاليّة.

وفي إطار هذه "الخطّة ب"، تصبحُ منطقة الحدود اللبنانيّة الشماليّة مع سوريّا "منطقة حرب" من جانب نظام الأسد. فإقامة "الكانتون" أو "الدويلة" تحتاج إلى تلك المنطقة اللبنانيّة التي تضمّ علويّين أيضاً.

بكلام آخر، لم يعد يكفي القول إنّ نظام بشّار يستهدف مناطق الحدود اللبنانيّة أمنيّاً من أجل هزّ الأمن اللبنانيّ وخلق اضطرابات في لبنان. فهذا الاستهداف جزء من مشروع تقسيميّ لسوريّا، وهو مشروع تقسيميّ للبنان تالياً.

إنّ نظام الأسد يستهدف أمن لبنان لكنّه يستهدف وحدة الأرض في سوريّا ولبنان معاً.

ففي مرحلة مبكرة من المواجهة بينَ الشعب السوريّ وثورته وبين النظام، قالَ أحد أقطاب 8 آذار لمحدّثيه إنّ الحلّ في سوريّا ليسَ ولن يكون مستعصياً: إنّه بدولة علويّة – مسيحيّة – شيعيّة بين سوريّا ولبنان. وفي ضوء هذا الكلام، شهدت جلسات المجلس النيابيّ الشهر الماضي مداخلات عونيّة معبّرة تطرحُ "تحالف الأقلّيات".

فتزامنَ حديثُ الدولة العلويّة – المسيحيّة – الشيعيّة مع حديث "حلف الأقلّيات". وذلك ما يُعدّ تلاعباً بلبنان ووحدته ونفخاً في الحرب الأهليّة.

الآن، ما تقوله السطور السابقة هو أنّ الخطر الذي يواجهه لبنان ابتداءً من شماله ليس مجرّد خطر أمنيّ، بل هو خطرٌ كيانيّ في الأصل.

بطبيعة الحال، إنّ التقسيم بين سوريّا ولبنان هو مشروع مستحيل ولا يمكن أن يمرّ لا سوريّاً ولا عربيّاً ودوليّاً.. ولا لبنانيّاً.

لكنّ الاعتقاد بإمكان تغيير الكيانات والتغيير في الكيانات موجودٌ في "عقل" نظام الأسد.. وفي "العقل الإيراني" أيضاً.

فها هي إيران على سبيل المثال تردّ على المشروع السعوديّ المقدّم من أجل اتّحاد خليجيّ، بإعلان أنّ البحرين في متناولها من منطلق أنّ الشيعة البحرينيّين إيرانيّون!.

التقسيم مشروع مستحيل، لكنّ تحالف نظام الأسد – إيران يمكن أن يمعن فيه ولو أنّ أثمانه الباهظة معروفة وهي أنهار من الدماء.

ليس في ما تقدّم أيّ مبالغة في التشاؤم. ففي ما تقدّم قراءةٌ في مسار نظام الأسد الذي يسعى إلى جعل سقوطه تفجيريّاً داخل سوريّا وفي المحيط.

ومن هنا، فإنّ ما يحصل في طرابلس وما يتكشّف من نوايا نظام بشّار، ينبغي أن يكونا في دائرة اهتمام المجتمع العربيّ والدوليّ وتركيزه.

… وكذلك ينبغي أن يهبّ اللبنانيّون لدفن "النأي بالنفس".

وبدلاً من أن يدعو الرئيس نبيه برّي إلى حوار حول طرابلس، ليدعُ إلى حوار حول الخطر الذي يمثّله نظام بشّار على لبنان كياناً وسلاماً أهليّاً، وهو خطرٌ أين منه الخطر الإسرائيليّ!.