شمال لبنان أم ريف الشام؟ – نصري الصايغ – السفير


ما كان متوقعاً قد وقع. ما كان يخشى حدوثه قد حدث، لم يعد بإمكان لبنان، كل لبنان، أن ينأى بنفسه عن دمشق و«أريافها» الكبيرة والصغيرة، النائية والقريبة.


كان «النأي» ممكنا لفترة قصيرة تنتهي فيها الأزمة السورية. أما وان سوريا دخلت عامها الثاني من الأزمة، بتشعباتها المتناثرة دولياً وإقليمياً ومحلياً، فلم يعد بوسع «النأي» أن يكون «حائط صد» ضد التوغل في الأزمة السورية، بدفع من الداخل، وهو طبيعي جداً، وبدفاع من نظام يقاتل كي يستمر، وهذا طبيعي كذلك. وكان «النأي بالنفس» محكوماً بإقامة التوازن المستحيل، بين جموع لبنانية من لون مذهبي، اندفعت في تأييد النظام السوري وقيادته، بكل ما أوتيت من أدوات تحشيد وتأثير ونفوذ، وجموع لبنانية من مذهب «منافس» أو «خصم» أو «معاد»، اندفعت في تأييد «الثورة» وفي الانقضاض الاعلامي والسياسي و«التهريبي»، على النظام السوري وقيادته، بالأسماء.

اندفاعتان متعاكستان… وحصل الاصطدام.

وكان «النأي بالنفس»، يصلح بعيداً عن خطوط التماس الجغرافية والسكانية، وما يمكن ان يتسلل منها وعبرها، في الاتجاهين، ولكنه لا يصلح أبداً، وقد انخرط فريق لبناني، ليكون نصيراً ميدانياً، إنسانياً، فتهريبا، فتنظيماً، فاستقبالا، فاحتضاناً، إلى أن بات الشمال، في كثير من مفاصله، «ريفا»، يتصدى للنظام من خارج الكيان، وبأدوات ذهبت إلى أبعد من المواقف والكلام. قد تعوزنا البراهين الموثقة ولكن عالم الأمن هو عالم الأسرار، لا ينكشف منه إلا المتداول سياسياً.

وكان «النأي بالنفس» ممكناً كسياسة، يتقنها جماعة التصريحات التي لا تقول شيئا، عندما تقول كل شيء، عدا الشيء المطلوب. فكيف يستقيم نأي من جهة النفس، وتحريض يومي بلغتين متناقضتين، تضعان النفس الجمعي، في حالة هيجان وسعار؟

ولا يستقيم «نأي بالنفس» فيما مؤسسات أمنية لا تنأى بنفسها عن ان تكون متهمة بالانحياز، عبر قضية تفضحها انتماءات مذهبية، كما كانت سابقاً، وكما هي راهنا، ولا ضرورة للشرح، خوفاً من الوقوع في «الإثم الأمني»، فبصريح العبارة، الأمن عندنا لم ينأ بنفسه، فالأمن أمنان أو أكثر من ذلك. وهذا ليس سراً: أليس كذلك؟

ثم ان من طبيعة الأمور، ان يكون لبنان أمينا على أعرق تراث سياسي لديه: الانقسام. فهو كيان منقسم بين نقيضين، ولم يتوحد أبدا على قضية خارجية، فأصيب سلمه الأهلي بسببها مراراً. فهل كان ممكنا ان ينأى السني عن سنيته السياسية، ويدير ظهره لسنية طاغية، إعلامياً على الأقل. على «الثورة» السورية؟ وهل كان ممكنا ان ينأى الشيعي عن شيعيته السياسية ويدير ظهره لنظام داعم لمقاومته ضد الاحتلال الإسرائيلي وفي سلطته نسب إلى آل البيت بطريقة خاصة؟

هذا كسل يصيب الذاكرة. اللبنانيون برهنوا على تفوقهم في الانقسام، وعلى قدرة هائلة في الشحن واستحضار الأحقاد التاريخية المزمنة، منذ ما بعد السقيفة، حتى الأحقاد السياسية الناتجة من موقعين متعارضين من صد عدوان تموز، مروراً بالأحقاد التي خلّفها اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتحميل النظام السوري ذلك، واتهام أفراد من «حزب الله» بذلك؟ لدينا من الأحقاد، ما ينوء السلاح بحمله.

فات الأوان… المعركة الآن انتقلت إلى الميدان، «الإسلاميون» ومعهم تيارات سياسية مذهبية، يقاتلون النظام السوري في الشمال. وبالسلاح الذي يناسبهم… والنظام السوري، ومن معه في لبنان، يدافعون عن النظام، بالأسلحة التي تناسبهم، وليس هناك من سلاح محرّم.

فات الأوان: بالأمس دم وغدا دماء.

شمال لبنان، بات الآن، «ريف الشام». وليس باستطاعة جيش يشبه اللبنانيين، إلا ان «ينأى بالبندقية» عن الحسم…

من المسؤول؟ ليس الآن وقت الجواب، انه وقت الخوف على لبنان، إذا فات الأوان…