أقلام الجحيم… لن تقوى عليها – بدر غانم


غريبٌ هو أمر هذا البلد، وكأن شمسه تشرق من الغرب ،من وراء أفق البحر، وليله تضيئه شمسٌ تزور خيوطها أحلام النائميين وتشعل سهرات الساهرين، وكأن بزوغ القمر هو دجى الفجر يأتي على عكس كل عقلٍ ومعقول، وكأن الشمال هو الجنوب، والمطر هو إكليل الصيف.
كيف لا، إنه لبنان. غريب ها البلد، فساده إصلاحٌ ، عارضي أزيائه إعلاميين، وراقصاته مثقفات.
ومثقفيه وللأسف هم ساحات تدريب بالذخيرة الحية، لكل ما هو نقد يشبه بكأبة وجهه قلة الوفاء و الحسد ،وما يربطهما هو خيط الضغينة الرفيع.




لقد قرأت تحقيقًا لأحدى الزميلات الصحافيات في جريدة السفير، تسرد بكلماتها العربية معلوماتٍ من رأيها الخاص وكأن رأيها هو الحاكم بأمره في النقد والتفسير، وإبن رشد التحليلات من وحي "تهافت التهافت" وشروحات أريسطو.ناعتةً الإعلامية ريما نجيم ومن دون أن تسميها، ربما لأن إسمها يحتاج إلى أن يكون الشخص الذي يكتبه من ندّ تاريخها الإعلامي ومن مستوى ثقافتها ومن حجم رصيدها المشبع نجاحا" حتى التخمة، ناعتةً إيها بأنها مذيعة الدلع أو ما شابه.

من أبرز ما جاء في التحقيق الذي نشر في جريدة السفير العريقة في تاريخ 16/05/2012، بأن "المذيعة" وحسب تسمية الصحافية، تبدأ برنامجها بقهقهتا وغنجها المعروفيين، وب"جينيريك" عن إسمها، كما إسم البرنامج. وبأن البرنامج قائم على قراءة الرسائل، وأضافت الزميلة في تحقيقها بأن الرسائل غالباً ما تثني على المذيعة «الملكة» وتمجدها، إهداءات لأغاٍن قديمة وحديثة، أحجيات، نكات، أبراج، أحوال الطقس والطرقات، ولا يوجد مضمون ثقافي ……
كما وقارنت ضمن التحقيق بين "صوت الغد" وعدة إذاعاٍت أخرى، وقد أجرت حوارًا مع "أخصائية" في الإعلام.
مع إحترامي الشديد لللزميلة بما تمثله من قلمٍ وكلمةٍ حرة ننتمي إلى طائفتها جميعاً، أود أن أفنّد لها وبالتفصيل ما لا تعرفه عن ريما نجيم، لسبٍب مخفٍي تحت حجارة المنافسة، أو معلومٍ على واجهات الحقيقة المنكرة. لأننا من أصحاب الحق الحق….وأقوله لِك.

ربما كان الراديو مشوشاً في الأيام التي إستمعِت بها على ريما نجيم عندما كنت تقومين بالبحث الصحافي، ربما كانت الموجة تتراقص مع هواء الصيف الحار فكان من الصعب عليكِ ان تسمعي سجناء سجن رومية وهم يسلّمون ريما مفاتيح حياتهم وصرخات قلوبهم النابضة بشرايين الموت البطيء.
ربما خانتك حاسة السمع وهذا جائز طبياً"، ولم تقدري أن تسمعي "يسوع أنت العيد"، كيف لعبت ريما دور وزارة الشؤون الإجتماعية ودور وزارة شؤن المتألمين في آن، كيف أن علي، جورج، محمد، فاطمة و تيريز.. والألاف من الناس قرأت لأول مرة في حياتها تعريف كلمة العيد وعرّبته حتى شبعت من أحرفه إمتناناً لريما. ربما كان صوت الزمامير في الشارع عالياً فلم تسمعي أبواق الفقراء تصدح في برنامجها وكيف يتفاعل معها المجتمع المدني، ليخلقوا معاً سنفونية تعايش سامية تشبه السماء بزرق صفائها.

من المعقول أيضًا، أن يكون ذهنك قد شرد عندما كنت تستمعين، ولم تسمعي مسرة الناس تتقهقه من الوجع وليس من الغنج في "وفي الناس المسرة"، للأسف، فكان من الممكن حينها أن تسمعي المتعالجيين من الإدمان، ملائكة قرة اطفال "أس أو أس"، عجزة دير القديسة رفقا… وغيرهم ممن يرسلون لريما رسائل تمدح فيها وبغنجها.

وأتوقع حتى، أن تكوني قد سمعت إذاعة أخرى عن طريق الخطىء لذا لم تدركي بأن برنامج ريما يبدأ بصلاةٍ وتراتيلٍ دينية، تلتقي فيها السماء بالأرض للحظاتٍ حتى يشعر من يستمع جيداً بأن كهوف أبناء مارون في قنوبين، تردّ الصدى لكل روحٍ متألمة. فتتلقى ريما رسائل من فقد عزيزاً أو من ينتظر على باب غرفة عمليات، أو على باب قبرٍ في مكان ما…وليس ليشاركها الصلاة وإنما ليمدحها كملكة…. غريب هذا الكلام…كغرابة هذا البلد.

غريب كيف أن من عرّفت الناس على شخصيات تاريخية بأسلوب إعلاميٍ جديد، هي خالية من الثقافة، غريبٌ كيف أن إعلامية بصوتها رسمت صورتها بأعين الناس المستيقظة على سلامٍ من وحي المعلم الفادي.
ولأنكِ لم تسميها أنا سأقوم بذلك لأريحك من وجع الأحرف ومن غصات المعاني. إنها ريما نجيم، تتقهقه وتتغنج وإنما بمضمونٍ ثقافيٍ عميق، مركّب على ايدي تجربةً طويلة من النضال والمكافحة في الإعلام وخارجه، هي ريما أصلية إستنسخ عنها ريمات كثيرات وقعن في حفر التقليد وفي شرك الحسد. وهذا إن دل على شيء، فهو يدلّ على انها مدرسة، يطبّق كل من يدخل مجال الإعلام المسموع قواعدها فصلاً فصلاً ، حتى يختم منهاج سنينها ال15، والحبل على الجرار.
وفي حال كان موضوع إستخدام إسمها في الأغاني وكإسم للبرنامج هو نقطة سوداء للمناقشة، فتذكري يا زميلتنا العزيزة بأن روّاد الإعلام الأمريكي، بما أن أمريكا هي مهد الحرية شاء من شاء وأبى من أبى، تذكري بأن كبار الإعلاميين إستخدموا إسمهم من أوبرا، دايفد لاترمان، لاري كينغ، وغيرهم الكثيرين. لذا فالإسم ليس دلالة على التكبّر و الإستكبار وإنما هو لإضافة التجربة الشخصية في المادة الإعلامية المقدمة وللتواصل المباشر مع الناس.

سأكتفي بهذا الكلام يا زميلتي العزيزة، وأتمنى ان تثبّتي موجة الراديو جيداً على إذاعة صوت الغد التي إستمرت بفضل نجاحها المبهر عبر كل هذه السنين وليس من الإعلانات فقط.

لن أستغرب بعد الأن، فالشمس تشرق في الصباح، وتغرب في الليل، والشمال يبقى شمالًا والجنوب في مكانه راوح. وتلك "المذيعة" التي سميتها هي "ريما فؤاد نجيم" إبنة عين الرمانة، إعلامية منذ أكثر من 15 سنة.
وأقلام الجحيم.. لن تقوى عليها