اختلف فيلتمان وحمد فانفجرت طرابلس؟ – جان عزيز – الاخبار


على أحد مواقع التواصل الاجتماعي الطرابلسية، حيث نحو عشرين ألف منتسب، تقرأ كلاماً حرفيته: «ممنوع على جيش المهدي أو ما يسمى بالجيش اللبناني التعرض لأي شخص من الطائفة السنية بعد اليوم. زمن الذلّ قد ولّى ولن يعود…». فضلاً عن آلاف المدوّنات الأخرى الأكثر «صراحة»، على مئات المواقع الأخرى المماثلة. ما يدفع الى السؤال: تُرى من يقف خلفها؟ وما هو الهدف من ذلك؟ على وقع أحداث طرابلس، تتعدد الروايات والصيغ الجاهزة للإجابة عن هذا السؤال.





في فريق الأكثرية الحكومية من يقدم سيناريو متكاملاً: جيفري فيلتمان في زيارته الأخيرة لبيروت، قال لفريق المعارضة كلاماً واضحاً: عليكم إقامة منطقة مقفلة على دولة حزب الله، تكون ذات سيادة أمنية مسلحة خاصة بها، وعلى تماس مع قضايا المحيط المتفجرة. تماماً وفق النموذج الإيراني القائم بين الضاحية وبعض البقاع، في تماسه مع الصراع الفلسطيني ــــ الاسرائيلي عبر جنوب لبنان. وبالتالي المطلوب استنساخ الوضع الإيراني ــــ الحزبللاهي، في مكان آخر وبسلاح آخر وإيديولوجيا نقيضة. وهو ما ترجمته الفعلية إمارة إسلاموية في بعض شمال لبنان، على تماس مع النزاع في سوريا، وعلى تواصل مع العمق الاستراتيجي الإسلاموي الصاعد في المنطقة، وخصوصاً على صراع مع حزب الله. إنها الخطوة الضرورية للحل الممكن، على قاعدة السعي إلى فرض معادلة السلاح مقابل السلاح.


لا تجد هذه النظرية إجماعاً حتى ضمن فريق الأكثرية نفسه. يقول رأي آخر أن ما يحصل في طرابلس قد يكون أقرب الى تدفيع العاصمة اللبنانية الثانية، وبالتالي لبنان برمته، ثمن تباينات متفاقمة داخل المعسكر المناهض لسوريا. يعتبر أصحاب هذا الرأي أن ثمة انكفاء غربياً واضحاً عن السير في الهجوم ضد الحكم السوري القائم. وذلك لأسباب عدة باتت مكررة: صمود الوضع بين دمشق وحلب. عدم توافر البديل. تعاظم ثمن الاستمرار في الحملة على اصحابها. مستجدات غربية طارئة بين باريس الآخذة حكماً فترة سماح انتخابية رئاسية، وواشنطن الداخلة على فترة مماثلة. اتضاح توازن الرعب الدولي أكثر فأكثر على خط موسكو ــــ بيجينغ … لتتوّج هذه المروحة بالكلام الإيجابي والتوقعات المتفائلة بمحطة بغداد في 23 أيار الجاري، بين الإيرانيين والأميركيين في الملف النووي. كل هذا، وغيره من الأسباب، فرض وجود سرعتين مختلفتين في العمل المستمر ضد سوريا: سرعة غربية متباطئة حتى الجمود، في مقابل سرعة إقليمية، وخصوصاً خليجية، تسعى الى تكثيف الجهد لإسقاط الأسد. ما يحصل منذ فترة في لبنان وسوريا هو انعكاس لهذا التباين في السرعتين. كأن قطر والسعودية تحاولان الضغط على باريس وواشنطن، أو حتى استدراجهما إلى تفجير ما يُفرض عليهما كأمر واقع. وعلامات هذا التباين كثيرة: باخرة السلاح التي ضُبطت قبالة طرابلس كانت خليجية الفكرة، فيما الأميركيون ساهموا في القبض عليها. انفجار مجلس اسطنبول بين أصحاب الإيحاءات الفرنسية وأهل الإملاءات الخليجية.

موقوفو «القاعدة» بمساعدة أميركية في بيروت، فيما تحذيرات واشنطن ونيويورك من «قاعدة» دمشق صارت طبقاً يومياً… هكذا ظهر ضمن المعسكر المناوئ للأسد جناحان: جناح أميركي فرنسي متريث في انتظار ما بعد بغداد، وما بعد انتخابات واشنطن. وجناح قطري ــــ سعودي مستعجل، لا بل أكثر تسرعاً وتهافتاً كلما تباطأ الآخر أو استأخر. واللافت في اليومين الماضيين أن اسرائيل قد حسمت موقفها، فانضمت الى الجناح القطري ــــ السعودي، مطالبة بإسقاط الأسد. وذلك في رسالة من تل ابيب الى واشنطن، مفادها: ما بالكم تغازلون طهران وكأن لا شأن لنا بنوويها وخطره وأبعاده؟ هكذا يرى أصحاب هذا الرأي أن الدوحة والرياض قررتا تفجير طرابلس، لإفهام باريس وواشنطن أن الملف السوري ــــ العراقي ــــ الإيراني شراكة في ما بينهم، ولن تقبلا بالانكفاء الحاصل…


يضحك فريق المعارضة من تلك الآراء: إنه السيناريو السوري نفسه. من شاكر العبسي الى عبد الملك عثمان عبد السلام. الأول عُلِّب لدى فلسطينيي سوريا وصُدر لتفجير نهر البارد عشية رئاسة 2007. والثاني وُضب بين طهران ودمشق وأُرسل لتفجير كل البلد عشية استحقاقات كثيرة. وإلا فكيف لشخص اسمه ر. الرفاعي، تابع لمكتب نجيب ميقاتي أن يكون مسؤولاً عن كل المسلحين السلفيين في طرابلس؟ وكيف يمكن لآخر اسمه أ. ع. الأسود، من الفريق نفسه، أن يتولى ليلياً إشعال المعارك من التبانة صوب الجبل؟


أياً تكن السيناريوهات، يظل أكيداً أن ثمة «مشكلة سنّية» في البلد. تماماً كما كانت ثمة «مشكلة مسيحية» في ظل الوصاية، و«مشكلة شيعية» إبان العدوان الاسرائيلي. اليوم هناك مشكلة مماثلة، لا بد من الاعتراف بها ومعالجتها، لا بالضرب من الداخل كما ضُرب المسيحيون في التسعينيات، ولا باستدراج الخارج، كما جُرب الأمر ضد الشيعة.