المنطق العوني تهديد للوجود المسيحي – أمجد إسكندر – الجمهورية

يضرب ميشال عون صميم الوجود المسيحي، من حيث لا يدري. وكم من مسيحيّين لا يدرون ماذا يفعلون. هذا الجهل العوني سببه الجهل أوّلاً والشخصانيّة ثانياً، وأمور كثيرة ورثها عون، ويريد توريثها لأنّه، وبصدق، يعتبرها طريق الخلاص. وكم من مجموعات سياسيّة، شعرت بذروة الانتصار، وهي على طريق الانتحار. في هذه المقالة سأتطرّق الى مسألتين، واحدة في الشكل، وثانية في الصميم. أحيانا كثيرة الشكل الظاهر يعكس معاني باطنية.

– الشعار العوني: "العونية" أوّل حزب مسيحي عريض، يُسقط الأرزة من شعاره. ليس واجباً وجود الأرزة في شعارات الأحزاب اللبنانية، خصوصاً غير المسيحيّة منها. ولكن غياب هذه الشجرة عن شعار حزب مسيحي، يمكن أن يحمل دلالات. يعترف المسلمون بأنّ هذا "اللبنان" صناعة مسيحيّة. وعلى غرار "صُنع في لبنان"، لبنان "صُنع في الجبل". وأعلى قمّة في "جبل لبنان" تنغرز فيها شجرة تعاند معارك الطبيعة، والزمن. شجرة سبقت "التاريخ". شجرة لم يغرسها "اللبناني". إستظلّها.




قدّسها. حتى إنّه، قطعها وتاجر بها، ويكاد يعرّضها للانقراض. في وجدان المسيحيّين الأرزة توأم "اللبنان". هي لهم كما النخلة للمسلمين. الأرزة قاومت البرد والثلج، والنخلة لم تنكسر للحر والجفاف. أين شجرة البرتقال، بمنافعها الصحّية، من المعاني التاريخية للأرز والنخيل؟ بقي المسيحيّون على قيد الحياة السياسية لأنّهم أبناء جبال.

البرتقال لا يعيش فوق مئتي متر عن سطح البحر. تقريباً منطقة الرابية المتنيّة، أعلى مكان له. المسيحيّون، وإن سكنوا السواحل، هم أبناء جبال منحتهم الرؤية البعيدة، في الفكر والفن وأنواع الإبداع كافة.

"العونية" ظاهرة شمولية، ولكن يعوزها عمق الفكر الماركسي أو الفكر الديني أو حتّى الفكر العنصري. وتشبُّهاً بشعارات تلك الأفكار، نسج "العونيّون" على منوال غيرهم، وصمّموا عَلَمَهم بلون واحد. الأحمر للماركسيّين، الأصفر والأسود للدينيّين، الأخضر "للقذّافيّين". والبرتقالي "للعونيّين".

ولأنّ كلّ تقليد، يشوّه الأصل، حلّت شارة "الصح"، محلّ الرمز الإنساني للمنجل والمطرقة عند الشيوعيّين، والوردة عند الاشتراكيّين، وآيات القرآن والصليب عند الدينيّين. شارة "الصح"، تعني ادّعاء الكمال. وفي لبنان والشرق الكمال "للعونية".

كمال في الأخلاق، والإخلاص، والتضحية، ومعرفة المصلحة العامّة. لينين، وهتلر، وأنطون سعادة، والقذافي، ماتوا.

وطوبى لمن مات ولم يَرَ. قلّما اعتمد نظام ديمقراطي عَلَماً بلون واحد. علم فرنسا معروف "بالألوان الثلاثة".

وروسيا اليوم، عَلَمها "ثلاثي اللون"، بعدما ذبلت الثورة الحمراء.

بالقرب من روسيا، قامت "ثورة برتقالية" في أوكرانيا، رمز تلك الثورة موجودة اليوم في السجن بتُهم الفساد!

– التحليل الحكواتي: من مآثر المسيحيّة أنّها تعتمد الفكر النقدي. نقد للذات، وللتجارب، وللأفكار. بهذا النقد استطاعت المسيحية أن تواكب العصور. وكثيراً ما بادر رجال الكنيسة بأنفسهم الى ذلك النقد في المعتقدات والطقوس وأساليب العيش. "العونيّون المسيحيّون"، ضربوا هذا المبدأ في الصميم. وهنا يكمن خطر كبير يهدّد الوجود المسيحي في لبنان. أن تعتبر كلّ "مسيحي" غيرك مخطئاً، نصف المصيبة. أمّا أن تكون أنت على صواب، مدّة تزيد على نصف قرن، فمصيبة ونصف. دلائل الصواب الدائم "للعونيّين"، عديدة. أكتفي منها بظاهرة "التحليل الحكواتي". "العونيّون" يقرؤون الأخبار ويحفظونها عن ظهر قلب.

في المدرسة علّمني معلّمي أن أفهم، لا أن أحفظ. "العونيّون" ملوك الحفظ. في مجال التحليل أو المناظرة السياسية، يسرد لك "العوني": أخباراً، ووقائع، وتصريحات، ويجد رابطاً خَفِيَ عليك.

على جري عادتهم، "العونيّون" يكتشفون في هذا الرابط، "حبكة بوليسية"، أو "مؤامرة"، كادت تمرّ لو لم يسارعوا إلى فضحها.

إليكم مثل قريب: جاء فيلتمان الأميركي إلى لبنان، فتحرّك وليد جنبلاط نحو 14 آذار، وتحرّكت جبهة طرابلس. وبما أنّ عون يخوض معارك طواحين الفساد، فمن إحدى مهمّات فيلتمان حماية الفساد والفاسدين من أزلام أميركا في لبنان.

الهدف: قطع الطريق على بوتين وبشّار الأسد، بعدما نجحا في الانتخابات الرئاسية في روسيا، والنيابية في سوريا.

إنّ تكرار الأخطاء في قراءة الوقائع الدولية، يؤدّي إلى نزف في الوجود لا تنتبه إليه المجموعات السياسية إلّا متأخّرة. في سنة خسر المسيحيّون مكتسبات خمسين عاماً، لأنّ عون قرأ المعطيات الدولية والداخلية على طريقة "حكواتية"، فشنّ حربين لا قدرة له على الانتصار في أيّة منهما.

في هذه الظاهرة، يقتبس "العونيون" من ميشال سماحة، وناصر قنديل. وهما، والحقّ يُقال، أبرع من "العونيّين" في هذه اللعبة. قراءة تقارير مخابراتية موجّهة، معطوفة على نبش تحرّكات لسياسيّين واجتماعات دوليّة، ممزوجة بتسريبات صحافية، مقرونة بأحداث عسكرية، تفضي الى حبكة "حكواتية" تفضح المؤامرة.

والأهمّ أنّها تؤكّد ما سبق وحذّر منه عون أو قنديل أو سماحة. ولكن على من تقرأ؟ السيّد حسن نصرالله والأستاذ كريم بقرادوني، طريقتهما معاكسة، لا يحبّان البدء من النتائج للعودة إلى الأسباب.

يحدّدان موقفاً أو مُعطى ثمّ يستفيضان في التعليل. نظرية غير صحيحة يبنيان عليها استنتاجات علميّة وقاطعة ومنطقية هدفها أن ينسى السامع، خصوصا السامع، أنّ النظرية في أصلها كانت خاطئة. في كلّ حال، قنديل وسماحة، ونصرالله، وبقرادوني، "هم الغالبون" على "العونيين" في الدهر الآتي. آمين.