التحالفات المذهبيّة هي التي تحقّق المناصفة سياسيّون يمتنعون عن الترشّح رفضاً للقانون – اميل خوري – النهار


ما من قانون للانتخابات النيابية يحقق المناصفة الفعلية بين المسلمين والمسيحيين كما نص اتفاق الطائف، الا القوانين التي لا تحظى بقبول كل القوى السياسية الاساسية في البلاد، لأنها منافية لقواعد العيش المشترك ولأسس الوحدة الوطنية.

والكلام الذي يكثر عن وقف العد منذ اتفاق الطائف لا يمنع في الواقع ازدياد عدد طائفة او مذهب على طوائف او مذاهب أخرى، بحيث يكون لذلك حساب يوم الانتخاب، وتظل كثرة العدد هي الطاغية على القلة، والاختلاط المذهبي في أي دائرة انتخابية يجعل من الصعب المحافظة على الانصهار الوطني مع تحقيق تمثيل صحيح لكل مذهب في آن واحد.

فاقتراح "اللقاء الارثوذكسي" الذي يحقق المناصفة رفضته زعامات مسيحية واسلامية لأنه يتنافى والعيش المشترك، وأن اعتماد الدائرة الفردية تحقيقا لصحة هذا التمثيل صعب ايضا لانه يثير خلافات عند ترسيم حدود كل دائرة، ذلك ان سلخ قرية او قرى وإلحاقها بدائرة اخرى قد يعدّل موازين القوى لمصلحة مرشح دون آخر.

لذلك فلا شيء يحقق المناصفة القريبة من العدالة سوى النسبية مع الصوت التفضيلي، أو أن يكون لكل ناخب صوت واحد لمرشح واحد. اما تحقيق المناصفة الفعلية اي 64 نائبا مسيحيا يفوزون بأصوات المسيحيين و64 نائبا مسلما يفوزون بأصوات المسلمين، فهو أمر صعب، ولا يستطيع اي قانون تحقيق تمثيل سياسي صحيح مع المحافظة على الانصهار الوطني. فالمناصفة التي أقرها اتفاق الطائف ليست في الواقع سوى ترضية معنوية للمسيحيين وتطمين لهم الى انه سيظل لهم نصف عدد النواب ونصف عدد الوزراء ولهم رئاسة الجمهورية حتى إشعار آخر… مهما بلغ عدد المسلمين، وأن عددا من النواب المسيحيين سيظلون يفوزون بأصوات المسلمين، وعدداً أقل من النواب المسلمين سيظلون يفوزون بأصوات المسيحيين، بحيث أن المثالثة هي التي تتحقق ضمناً ومن ثم واقعاً مع الوقت من جراء طغيان عدد طائفة على اخرى.

لقد أبدى سياسيون بارزون رغبتهم في مقاطعة الانتخابات المقبلة والامتناع عن الترشح اذا لم يكن القانون عادلا ومتوازنا ومقبولا منهم.

إن الخلاف المستحكم حول قانون الانتخاب يجعل المهلة المحددة لإقراره تمر من دون التوصل الى اتفاق في شأنه. وهذه المهلة تنتهي هذا الصيف أو نهاية السنة الجارية حدا اقصى كي تكون الحكومة جاهزة لاتخاذ اجراءات تطبيقه ويكون للمرشحين الوقت الكافي لعقد تحالفاتهم والقيام بجولاتهم الانتخابية وخصوصا تأمين حق الاقتراع للبنانيين غير المقيمين.

اما بالنسبة الى اجراء الانتخابات في ظل سلاح "حزب الله" اذا ما صار اتفاق على قانون عادل ومتوازن فقد لا يكون سببا يحول دون اجرائها وإن كان الاعتراض على وجوده في يد هذا الحزب شديداً. لكن الحزب، على ما رشح، لن يدع مجالاً للشك في انتخابات تجرى بوجود سلاحه خصوصا في الجنوب والبقاع والاعتراض على نتائجها لأنه سوف يحرص على عدم الظهور به طوال فترة الانتخابات كي لا يتهم بأنه كان له تأثير على نتائجها. ويقول من لا يرى في وجود هذا السلاح ما يمنع اجراء الانتخابات او يدفع البعض الى مقاطعتها او عدم الترشح احتجاجا، إن قانوناً عادلاً ومتوازناً يبقى أهم من وجود السلاح إذ ليس هذا السلاح هو وحده الذي يؤثر في نتائج الانتخابات إنما التحالف الثنائي الشيعي الذي يتألف من حزبين رئيسيين هما "حزب الله" وحركة "أمل"، وهذا التحالف، بسلاح ومن دون سلاح، يمثل سبعين في المئة من أصوات الشيعة في لبنان ويضمن الفوز للوائحه في معظم الدوائر في الجنوب والبقاع، ولا شيء يرد على قوة هذا التحالف الشيعي سوى قيام تحالف مماثل سني ومسيحي ودرزي يضمن الفوز لمرشحيه في الدوائر ذات الغالبية المذهبية، فلا تعود الاقلية من مذهب في دائرة ترجح كفة الفوز لمرشحين من دون آخرين، بل تصبح الغالبية منها هي التي تتحقق من خلال تحالف مذهبي بطغيانها على اصوات هذه الاقلية والحد من تأثيرها في النتائج.

لذلك ليس مطلوباً مواجهة سلاح "حزب الله" بسلاح للتأثير على مجرى الانتخابات، إنما مواجهة التحالف الشيعي بتحالف سني وتحالف مسيحي وتحالف درزي في الدوائر ذات الغالبية من هذه المذاهب، للقضاء على مفعول الصوت الاقلي في دوائر هذه التحالفات، وإلا ظل لهذا الصوت مفعوله وتأثيره عندما يخوض المرشحون المسيحيون والمرشحون السنّة والمرشحون الدروز الانتخابات وهم متفرقون واصواتهم تتوزع على عدد من اللوائح المتنافسة.

الواقع ان الدول الديموقراطية تلجأ الى الانتخابات علّ نتائجها تخرجها من أزمات تتخبط فيها، في حين ان لبنان يجعل من الخلاف على الانتخابات وقانونها أزمة تضاف إلى الأزمات…