أحداث طرابلس لم تنتهِ


لا تعتبر جهة سياسية فاعلة، وعلى بيّنة من كل الملفات السياسيّة والأمنية الساخنة، أنّ ما جرى في طرابلس من أحداث ينحصر في اعتقال شادي المولوي، بل تتعدّاه بكثير، لأنّ لعاصمة الشمال صولات وجولات في سياق تبادل الرسائل الإقليميّة.




فقد شهدت طرابلس قبل اندلاع الحرب اللبنانية منتصف السبعينيّات اشتباكات ومعارك شارك فيها بعض القوى المسيطرة على المدينة، من حركة 24 تشرين إلى قبضة المنظّمات الفلسطينية و"البعثَين" السوري والعراقي، وكلّ أشكال النزاعات آنذاك.

ومن هذا المنطلق، وبحسب ما ورد في صحيفة "الجمهورية" ترى أوساط سياسيّة عليمة أنّ ما حصل في الأيّام القليلة الماضية، له صلات وثيقة بالأزمة السورية وتداعياتها على الداخل اللبناني، إلى حسابات سياسية وانتخابية، في ظل النزاع السياسي الذي تشهده المدينة عبر التباين الهائل بين قياداتها، خصوصاً بعد الانقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري، بمعنى أنّ ثمّة خطة معقّدة على المستوى السياسي تزيد من حجم الخلافات والنزاعات في الفيحاء.

وهنا عُلم أنّ اشتباكات الأيام الماضية كان تهدف إلى استعادة بعض السيناريوهات القديمة، يوم حاولت سوريا السيطرة على المدينة من خلال إزاحة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أو طرده بعد أن التجأ إليها، بحيث أكّدت المعلومات المستقاة من بعض القوى الفاعلة أنّ تحضيرات أُعدّت لدخول قوات سورية إلى طرابلس، أو قصفها وإحداث خلل أمني فيها يصعب معالجته، الأمر الذي يؤدّي إلى سيطرة حلفاء النظام السوري على عاصمة الشمال لجملة أمور:

ـ قطع الطريق على محاولات استهداف هذا النظام، كما يعتقدون، من الشمال.

ـ وقف تهريب السلاح وضرب قوى "14 آذار"، بما يؤدّي إلى إضعاف تيار "المستقبل" الذي يتمتّع بحضور ونفوذ كبيرين في الشمال.

ـ عدم السماح بقيام منطقة آمنة تحمي "الجيش السوري الحر"، وعدم السماح للنازحين السوريين بدخول المناطق اللبنانية.

ـ السعي إلى كسب الأكثرية النيابية في اعتبار أنّها جاءت بفعل نفوذ تيار "المستقبل" في كلّ دوائر الشمال.

من هذا المنطلق، لم يصل هذا السيناريو إلى خواتيمه السعيدة، بعدما اتّخذ الحريري ورئيس كتلة "المستقبل" فؤاد السنيورة، ومفتي طرابلس الشيخ مالك الشعّار مواقف حاسمة، إضافة إلى قيادات أخرى طالبت بانتشار الجيش، فكان الغطاء السياسي حاسماً مع أجواء عن اتّصالات أخرى حصلت لهذا الغرض.

أما اللافت فكان صدور بيان عن الخارجية الفرنسية يطالب بوقف العنف في طرابلس، ما يعني أنّ المجتمع الدولي كان على معرفة وثيقة بما يجري في المدينة، لأنّه، وللمرة الأولى، يصدر بيان مماثل عن دولة أوروبية وبهذا المستوى متناولاً أحداثاً في إحدى المدن اللبنانية.

وعليه، بعد هذه الأحداث ستظهر تداعيات الخلافات التي حصلت بين فاعليات من المدينة وأجهزة أمنية معيّنة، إضافة إلى استمرار السجال بين تيار "المستقبل" ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، الذي لم يمسك بقرار مدينته، وهذا الخلاف ستتوالى فصوله إلى مزيد من التصعيد في الأيّام المقبلة، بعدما أعلن ميقاتي أنّه سيخوض الاستحقاق الانتخابي النيابي في طرابلس، وإن كانت الأحداث الأخيرة لم تأتِ برمّتها على خلفية انتخابية، لأنّ المؤشّرات والتقارير السياسية والأمنية تصبّ في سياق المخاوف التي تبديها جهات سياسية وعسكرية من اهتزازات أمنيّة في الشمال.

ويبقى أنّ انتشار الجيش قَطَع الطريق على ما كان يُخطّط لطرابلس وحصول ما لا تُحمد عقباه، لأنّ عاصمة الشمال "برميل بارود" قد ينفجر في أيّ لحظة مع تصاعد وتيرة العنف في سوريا.

ومن هنا، عُلم أن القوى الأمنية ستتخذ مزيداً من الإجراءات والخطوات في المدينة ومحيطها لكي لا تتجدّد الأحداث، لأنّ الأجواء المتوافرة لا توحي بحلول ناجعة تزيل أدوات التوتّر وعوامله جذريّاً.

الجمهورية