الشمال… دولة تبيع أهلها للشيطان – ابراهيم الأمين – الأخبار


انتفاضة قيادات طرابلسية احتجاجاً على تجاوز جهاز أمني الأعراف في طريقة توقيف أحد المطلوبين للقضاء، تشعرك بأنك أمام نوع من القيادات السياسية التي لا تقبل بأن يتعرض المواطن لخدش حياء. لكن في حالة طرابلس الآن، تكون الصورة مختلفة. الذين احتجوا هم يعرفون أن الأجهزة الأمنية في لبنان تستخدمهم هم بصورة صريحة في أشياء قذرة. هي قيادات تحاول احتواء غضب جمهور لكونها لم تعالج حتى اليوم ملف الموقوفين الإسلاميين من دون محاكمة. وهي تتكل على أن الناس لا يجيدون محاصرة منزل زعيم سياسي أو مسؤول أمني أو قائد سياسي… احتجاجاً.





مشكلة أهل طرابلس والشمال ليست في طريقة اعتقال الأمن العام لشادي المولوي، بل هي في أصل اعتقاله. ليس لخصوصية الرجل الذي تحدثت الأجهزة الأمنية أمس عن «اعترافه» بتهم منسوبة إليه بـ«التورط في أنشطة مخالفة للقوانين في لبنان وخارجه». المشكلة هي في أن من حق أهل الرجل، أو أبناء محلته، أو أبناء المدينة، الشعور بأنه قد يظل موقوفاً من دون محاكمة لسنوات، كما هي حال آخرين. والمشكلة هي أن القاعدة الشعبية الشمالية التي تجري تعبئتها يوماً بعد يوم منذ تولي فريق 14 آذار الحكم، وصولاً إلى تداعيات الأزمة السورية، لا تجيد التعبير عمّا تختزنه من أفكار واحتجاجات بغير أيام غضب واشتباكات مسلحة. والمشكلة هي أن القيادات التي استنكرت طريقة اعتقال المولوي تشعر بقوة بأنه أقوى منها في الشارع، وهو ما ظهر على وجوه قيادات المدينة التي خافت أن يطردها الحشد الغاضب إن هي جرؤت فعلاً على طلب من هذا النوع.


هذه المرة، ليس مهماً البحث عمّن يرسم صورة طرابلس والشمال. على العكس، لا يحتاج المرء إلى أكثر من زيارة واحدة حتى يفهم الحقيقة القاسية، وهي أن من يعيش في هذه المدن والقرى لا يملك من حقوقه في لبنان، سوى الهوية أو جواز سفر إن تسنى له الهروب بحثاً عن موت من نوع آخر. والحقيقة الأقسى، هي في الذين يتناوبون على إدارة الشأن العام في المدينة، ويستعيرون من بعضهم أساليب الإدارة القائمة على مبدأ «الصدقة» واستمالة هذا الحشد من الفقراء إلى هذا الصوب بدل ذاك. حتى صارت الصورة بشعة عن بعد. والمتدخلون من خارج المنطقة يعتقدون أنه لا مجال للغة أخرى مع أبنائها. وبين السفلة عندنا من يعتقد أن الإدارة السورية لهذه المنطقة في السابق، كانت وحدها الكفيلة بمنع الفلتان.


صحيح أنه لا مكان للعقل في هذه اللعبة الجهنمية، وأن الموتورين يقصدون الشمال اليوم بحثاً عن صيد في أرض خصبة. وجداول أعمالهم تتصل بأمور أخرى، لا صلة لها بالناس هناك. وصحيح أيضاً أن التفاعل السياسي مع أبناء هذه المنطقة، صار على شكل رحلات سياحية لقيادات من 14 آذار، أجبرت على خلع ربطات العنق وهي تزور قرى مجهولة في عكار والبقاع. لكن الصحيح أيضاً أن الناس هناك لم يسألوا هؤلاء عن عشرات، إن لم يكن مئات الملايين من الدولارات التي قبضوها باسمهم. وبين هذه القيادات الملعونة من يكرر اللعبة نفسها اليوم. كذلك تخبرك روايات الأزقة بـ«سرقة أموال الثورة». والمقصود هنا، أن تجار المال والدماء، يستغلون موسم البحث عن عناصر دعم لمعارضين سوريين، ويعملون على سرقة هذه الأموال بحجة أو بغيرها.


وحيث يغيب العقل، تسيطر العصبيات، فيكون هاجس القيادات اللعينة، توجيه غضب أبناء المنطقة نحو أبناء جلدتهم، مثلما هي الحال بين باب التبانة وجبل محسن؛ لأن في ذلك ما يعفي هذه القيادات _ الجالسة في أبراج عاجية على بعد أحياء من خط النار _ من المساءلة عن الأسباب الحقيقية وراء التوتر المستمر. ويصبح العنوان، هو أن أبناء الشمال يقتلون أنفسهم دفاعاً عن الشعب السوري، لكن لكل طريقته وبحسب رأيه. ويصبح العنوان، أن أبناء الشمال يتعرضون للحرمان؛ لأنهم من طائفة معينة، بينما اكتفت قيادات تعتبر اليوم ممثلة لهذه الطائفة، باللعب على العواطف وإطلاق العنان لوعود في الهواء… ألم توفد السفارة السعودية في لبنان ممثلاً عنها ليجد أن ما قدم له في تقارير عن مشاريع تنموية قام بها تيار «المستقبل» وقيادات من 14 آذار في طرابلس وعكار، ليس إلا وهماً بوهم، وأنه لا وجود لهذه المشاريع من أصلها؟


وماذا عن تصرف الدولة؟ وهل هناك أمل بشيء عند القائمين على مؤسساتها؟ وبدل أن يستدعي رئيس الجمهورية المجلس الأعلى للدفاع إلى اجتماع طارئ، كان عليه أن ينصب خيمة على باب سجن رومية، ويستدعي القضاة، ليلزمهم إقفال الملفات التي تأكلها الصراصير في الأدراج، بينما يأكل العفن نزلاء السجن _ المذلة. وأن تعمد الحكومة إلى إرسال جرافات تعمل على البناء بدل إرسال ناقلات الجند، وأن ترسل الأساتذة والأطباء إلى الأحياء بدل جيش المخبرين، وأن يقبل الأغنياء تمويل مشاريع تعول الناس بكرامة، مقابل هروبهم من ضرائب أسواق المضاربات المالية والعقارية…
أكيد أن هناك من يدبر أمراً كبيراً للشمال، يتصل حتماً بما يجري في سوريا. أما هروب الدولة، فهو دعوة لنا كي لا ننتظر من الشمال إلا أخبار الموت!