جنبلاط: هل تعمل بعض الاجهزة بوحي سوري؟


أدلى رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط بموقفه الأسبوعي لجريدة “الأنباء” الصادرة عن الحزب التقدمي الاشتراكي مما جاء فيه:




ليست المرة الأولى التي تشهد فيها مدينة طرابلس ما شهدته من توتر وأعمال عنف، وليست المرة الأولى أيضاً التي لا يتم فيها إستخلاص الدروس والعبر من هذه التجربة الصعبة لتفادي تكرارها وللحيلولة دون الانزلاق نحو المزيد من المشاكل في تلك المنطقة ومن خلالها نحو مناطق أخرى ربما.

 ولا يمكن فصل ما جرى من أحداث وتوترات عن إصرار بعض الأجهزة الأمنيّة، بوحي سوري على ما يبدو، على إعتبار السلفيّة بمثابة الشر المطلق، فحبذا لو يتبرع أحدهم من جهابذة تلك الأجهزة ليشرح لنا ما المقصود بالسلفيّة؟ ولماذا الاصرار الدائم على تضخيم الخطر السلفي؟ وهل السلفيّة هي مدرسة فكريّة واحدة؟ وهل هي تقول بالعودة إلى السلف الصالح أم تبشر بالتطرف والتعصب؟ وما مدى حضورها في لبنان؟ وهل هي محصورة لدى المسلمين السنة؟ ولماذا ربطها بصورة دائمة بالارهاب؟ وهل هي محصورة بالأديان؟ ألم يسبق أن رأينا كبار المحللين الاستراتيجيين والمفكرين في اليمين المحافظ أو اليسار الثوري الراديكالي يسقطون أيضاً في فخ التطرف وهو نوع من أنواع السلفيّة والتعصب؟

 هل المطلوب الايحاء بأن لبنان قد تحول إلى بؤرة سلفيّة للحؤول دون تقديم يد العون والمساعدة الانسانيّة للاجئين السوريين في لبنان وصولاً إلى إعتقال الناشطين منهم وتسليمهم الى السلطات السوريّة حيث سيكون مصيرهم الموت المحتّم؟ ثم لماذا الاصرار على إستيراد “القاعدة” بأي ثمن إلى لبنان؟ فهل هي أيضاً تُستخدم كفزاعة لقمع أي صوت داخلي يساند الثورة السوريّة والشعب السوري في مواجهة الجريمة المنظمة واليوميّة التي يقوم بها النظام في سوريا؟ لم يعد ينقص بعض المرجعيات اللبنانيّة إلا أن تبحث عن الزعيم الجديد المظفر لتنظيم “القاعدة” لتقدم له طلباً رسميّاً لفتح مكتب تمثيلي له في بيروت لتثبت وجهة نظرها أو أن تستورد أبو مصعب اللبناني!

 لماذا إصرار بعض الدول والقوى السياسيّة والأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة على إعتبار أن سياسة الحسم الأمني التي روّج لها النظام السوري تقترب من النجاح في حين تثبت الأحداث كل يوم أن الشعب السوري لن يتراجع عن مطالبه السياسيّة المحقة مهما كان الثمن، فإذ بسوريا تنهار رويداً رويداً وتتجه نحو المزيد من الفوضى والمصير المجهول؟

 ولماذا إصرار هذه الدول والقوى السياسيّة الداعمة للنظام السوري على رفض أي تسوية إنتقاليّة على طريقة اليمنيّة لإخراج سوريا من أزمتها الراهنة بدل التمسك بالزمرة الحاكمة رغم كل ما قامت به حتى الآن، وقد دُمرت مدن وقرى سورية بالكامل، وإرتفع عدد المهجرين إلى مليون مهجر، ناهيك عن عشرات الآلاف من النازحين إلى الدول المجاورة، فضلاً عن عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين والمفقودين، وطبعاً الآلاف من الشهداء والجرحى؟

 ولماذا الاصرار على عدم التنسيق الكامل بين الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة بما يؤمن غطاءً أمنيّاً للبلد، فهل ذلك نتيجة ولاءات البعض منها لهذا التيار السياسي أو ذاك؟ وهل يمكن القبول بتفريع القرار الأمني في البلد بحسب الانتماءات السياسيّة بدل أن تكون المؤسسات الأمنيّة في خدمة جميع اللبنانيين دون تمييز؟ وهل هذا ما يُفسر حجب داتا المعلومات عن أصغر جريمة إلى أكبر محاولة إغتيال وآخرها تلك التي إستهدفت الدكتور سمير جعجع؟ وهل من الممكن القبول بإستمرار هذه الحالة من غياب التنسيق نتيجة تعدد الانتماءات والحساسيّات بين بعض الأجهزة الأمنيّة ما قد يؤدي إلى الوقوع في فخ تقارير مشبوهة ورطت طرابلس بتوتر مذهبي كل أهل المدينة بغنى عنه.

كل ذلك يعيدنا مجدداً إلى تجديد النداء بتهدئة الأمور وتنقية الأجواء في طرابلس وذلك لا يتحقق من خلال بدع إتهاميّة همايونيّة لأن تطبيق هذا المنحى سيفتح الباب أمام تأويلات لا تنتهي خاصةً في طرابلس، لذلك من الأفضل إجراء تسوية سياسية والعودة إلى الحوار للتوصل إلى مصالحة ومصارحة كاملة تضع حداً لهذه المأساة المتكررة بين الحين والآخر، ثم الدخول في خطة إنمائيّة شاملة لطرابلس لرفع الحرمان عنها، بالتوازي مع عودة الحوار الوطني للتوصل إلى خطة دفاعيّة وطنيّة شاملة تحت إشراف الدولة، ودائماً على قاعدة عدم إستخدام السلاح في الداخل.

 فهل من محظور في توسيع قاعدة الاستفادة من مرفأ طرابلس أو إعادة تشغيل مطار الرئيس رينه معوّض في القليعات؟ وهل من محظور في تلزيم مصفاة طرابلس لفتح المجال أمام فرص عمل جديدة بدل الاستباحة الفئوية للمصفاة الحاصلة راهناً؟ وما المحظور في إنشاء منطقة صناعيّة حرة ومنحها إعفاءات وحوافز تشجيعيّة أو في تفعيل معرض الرئيس رشيد كرامي الدولي؟

 إنها مجرد أفكار لعلها تفيد بأن تكون مدخلاً للمصالحة والمصارحة والانماء في مدينة طرابلس التي يستحق أهلها العيش في أمان وإستقرار وطمأنينة.