هذا ما يجري… في خلوات حزب الله التنظيمية


لم تخفِ أوساطٌ مقرّبة من "حزب الله"، وخلال دردشة مع صحيفة "الجمهورية"، اعترافها بأنّ قيادة الحزب بدأت منذ مدة، ما يشبه الخلوات التنظيمية، لمناقشة عدة ملفات وقضايا تتعلق بشؤون الحزب الداخلية، وبتطلعاته الجديدة حيال التطورات والمتغيرات التي تشهدها المنطقة.




واعترفت الأوساط، بأنّ قيادات الحزب التي انخرطت في العمل السياسي اللبناني، ودخلت في أتون صراعاته وزواريبه الداخلية، تعرضت في كثير من الأحيان لإخفاقات وعثرات، ربما لقلّة الخبرة السياسية، وهذه من الامور الطبيعية والمتوقعة لقيادات قضَت سنوات وسنوات، في مسار العمل العسكري المقاوم، وكانت تعتبر أن المقاومة وتحرير الوطن من أولوياتها.

ولتدارك هذه الثغرة، فإنّ القلة القليلة تعلم أن الحزب انشأ منذ سنة اكاديمية سياسية لنوابه ومسؤوليه بإشراف أساتذة جامعيين في العلوم السياسية، على غرار الأكاديميات الحزبية التثقيفية التي كانت زمن الاتحاد السوفياتي، ومدة الدراسة فيها ثلاث سنوات، تتناول القوانين الدستورية، والأنظمة البرلمانية في لبنان والعالم العربي، فضلاً عن مواد في التاريخ والفكر السياسي…

وحدّدت الأوساط ابرز الملفات التي تقوم قيادة الحزب بمعالجتها في ورشها التنظيمية المفتوحة، ومنها الملف السوري، إذ إن الحزب اتخذ سياسة متدرجة حيال هذا الملف، وكانت هذه السياسة تتغير مع تغيرات وتطورات الأوضاع السورية.

فصحيح أن الحزب يؤيد النظام السوري ويعتبر أن ما يجري في سوريا مؤامرة على المقاومة والخط الممانع، الّا أنه من جهة أخرى دعا، من خلال المواقف والخطابات التي ألقاها أمينه العام السيد حسن نصرالله، الى تطبيق الإصلاحات الداخلية، وبالتالي بات لقيادة الحزب خطوط اتصالات مع المعارضة السورية الواعية والعقلانية، والتي ليس لديها ارتباطات خارجية مشبوهة.

وكشفت الاوساط ان قيادات في الحزب سبق وان زارت سوريا وعرضت على الرئيس الاسد مشاريع حلول لإنهاء الازمة السورية، وقد تم الأخذ بعدد من الاقتراحات، كما انّ الحزب يتواصل في هذا الإطار مع عدد من أصدقائه المقربين من بعض الشخصيات المعارضة السورية المعروفة بهدوئها وعقلانيتها. لذا، فإنّ ورش الحزب التنظيمية خرجت بتوصيات في مجال "الملف السوري" بأن يزيد "حزب الله" من مساعيه لإنهاء الصراع في سوريا بأقلّ ضرر لطرفين.

اما على الصعيد التنظيمي الداخلي في الحزب، فإنّ الورش التنظيمية تشهد نقاشات صريحة وعلنية حول تورّط بعض المسؤولين الحزبيين في المناطق في الفساد المالي الحزبي، والتحقيق في حالة الثراء التي أصابت العديد منهم، وعن تورّط أنجال بعض المسؤولين في صفقات بيع سلاح لتجار أسلحة سوريين ولبنانيين، وفي الإتجار بالمواد الممنوعة، حتى انه تتم فتح ملفات اختلاسات مالية تورّط فيها ناشطون وحزبيون تعود لفترة ما بعد حرب تموز 2006، خلال تقديم المساعدات للمتضررين من نتائج الحرب الاسرائيلية.

ومن المتوقع أن يخضع الكثيرون للمحاكمة الحزبية وللفصل والطرد والتجريد من مسؤولياتهم، وقد حصل ذلك مؤخراً وبعيداً عن الضجيج الإعلامي.

وأكدت الاوساط انّ الشأن الداخلي اللبناني يستحوذ على اهتمام المشاركين في الخلوات التنظيمية، فقيادة الحزب ترصد بدقة تنامي الحالة السلفية والأصولية في لبنان، وتعتبرها ظاهرة غريبة تحمل في طياتها سموم الفتنة والمؤامرة. لذا، فإنه ومنذ البداية كانت التعليمات للقواعد الحزبية واضحة وصريحة: "لا تنجرّوا الى الفتنة، ولا تتورطوا في السجالات الطائفية والمذهبية…". لذا، فلم تلق تصريحات المشايخ السلفيين، وخصوصاً الشيخ احمد الاسير، رداً من أي مسؤول او قيادي في "حزب الله"، على رغم خطورة بعض ما جاء في خطابات الاسير من اتهام لـ»حزب الله» بالمشاركة في احداث سوريا».

وكان كلام السيد حسن نصرالله خلال حواره الاخير عبر الشاشة مع أعداد كبيرة مع الطلاب الجامعيين في قاعة "مجمع سيد الشهداء" في الضاحية الجنوبية واضحاً في هذا الإطار، عندما عرض أفكاراً حول دورهم في المرحلة المقبلة، وحَثّهم على تركيز اهتمامهم على الصراع الفكري ومواجهة التحديات العلمية والإيمانية وتقديم الجوانب الأخلاقية على الجوانب الأخرى، مُحاذراً الخوض في العناوين السياسية.

الّا أن الحزب يعترف بجزء من المسؤولية في تنامي الحالة المناهضة له، وخصوصاً في الأوساط السنية. لذا فإنه بدأ يتدارك استفحال هذه الحالة التي تقابلها نواة حالة "سلفية شيعية" متشددة كردّة فِعل على تنامي الحالة «السلفية السنية».

وتشير مصادر الى أن "حزب الله" قام في هذا المجال بالتضييق على المجموعات السلفية الشيعية الصغيرة المنتشرة في لبنان، والعمل على منع بروز أية حالة جديدة. كما أعاد الحزب ضبط كل المناهج الثقافية التي يتم تدريسها في الحلقات الداخلية والحوزات، منعاً لوجود أيّ إشارات تخدم البيئة السلفية، فضلاً عن فتح وسائل إعلام الحزب أمام كل الشخصيات الاسلامية، وصولا الى جعلها مساحة تفاعل ثقافي وفكري وسياسي.

ومن دون شك فإنّ الأوساط تعتبر ان الخلوات التنظيمية تدرس المستقبل السياسي لـ"حزب الله" في لبنان، وهي تجد في الانتخابات النيابية المقبلة الفرصة المتاحة لتكريس تواجد الحزب الفاعل وحضوره على الساحة السياسية، ومن المقرر أن يقوم الحزب في الفترة القريبة، بتنظيم ورشة عمل كبيرة يكون شعارها "الانتخابات اولاً"، بحيث ستتناول هذه الورشة خطة العمل الانتخابية من التحالفات الى تحديد المرشحين الحزبيين، والاصدقاء، ودراسة الواقع الانتخابي في كل لبنان، ونقاط القوة والضعف.

وهذا يتطلب ايضاً فتح حوار مع الداخل ومع الخصوم السياسيين. لذا، كانت الدعوة للحوار أبرز ما جاء في كلمة النائب نواف الموسوي خلال الجلسة العامة في مجلس النواب قبلَ اسابيع، ثم كانت دعوة نائب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم قوى "14 آذار" من أجل حوار من دون شروط مسبقة، وهناك توجهات لعقد لقاءات اخرى مع الرئيس فؤاد السنيورة وبعض صقور "14 آذار"، من أجل تهدئة الساحة اللبنانية، وإيجاد مناخ سياسي هادىء، لأنّ الحزب يدرك أن مناعته وقوته تكمن في بيئة متصالحة خالية من التشنجات، وهو يدرك أيضاً مخاطر ما يخطط لتفجير الوضع الداخلي في لبنان، بقصد إلهاء الحزب في معارك جانبية، ومحاولة توريطه في أتون حرب مذهبية يعتبرها أخطر بكثير من الحرب مع العدو الاسرائيلي».

خلوات "حزب الله" التنظيمية مستمرة، وسط ضجيج الصراعات والتصريحات والمواقف السياسية في لبنان، فهل ينجح الحزب في فتح أبواب الحوار، وهو الذي يدرك انه من أبرز الذين سيتأثرون بمسار التغيير المتوقع في سوريا؟