دولةٌ في العناية الإلهية! – سمير منصور – النهار


في ختام حواره مع المشاركين في "المنتدى الاقتصادي العربي" بدعوة من مجموعة "الاقتصاد والأعمال"، لاحظ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ان "هذا الوطن يحميه الله ولو تركناه للعباد لكان الخراب"!

لعل الانطباع الاول عن تلك العبارة اللافتة، هو انها في سياق محاولة من رئيس الحكومة لضخ جو من التفاؤل منعاً لليأس والاحباط عند المواطن، ولكنها في الحقيقة تلخص واقعاً يعيشه اللبنانيون منذ سنوات طويلة بل منذ بداية الخراب في ما يسمى "حرب السنتين" عامي 1975 – 1976، ولا يعني ذلك ان واقع الدولة كان مثالياً قبلها، ولكنه بالتأكيد كان أفضل في ظل "نواة" دولة ومؤسسات. وقد علّق أحد المشاركين في الحوار همساً، إذ قال لمن كان بقربه: إنها بالفعل دولة "سيري فعين الله ترعاكِ"!

بدا رئيس الحكومة على حق عندما اشار الى "رعاية الله" والعناية الالهية، وهي بطبيعة الحال موجودة في كل حين، لكن للبشر دوراً في الاستفادة من هذه الرعاية ومؤازرتها، ولا سيما لمن هم في موقع المسؤولية على كل المستويات: من حماية الحدود والدستور وتطبيق القانون الى دوائر سلامة السير ومنع قتل الناس يومياً على قارعة الطريق…

وبدا واضحاً في كلام رئيس الحكومة إقرار صريح بعدم وجود دولة بكل ما تعنيه من مؤسسات تطبق القانون على الجميع وتحمي مواطنيها، ومواطنين يقومون بواجباتهم. فالمؤسسات التي تشكل مكونات الدولة، تعمل بنسب متفاوتة وفي احسن الحالات بالتراضي… والمواطن في لبنان يفتقد دولة تحميه وتجعله يطمئن الى مستقبله، وإلا كيف تفسّر تلك الهجرة المتصاعدة يوماً بعد يوم ولا سيما في صفوف الشباب والمهنيين ومتخرجي الجامعات؟ وما هو تفسير تهافت اللبنانيين الدائم على محاولات الحصول على جنسيات رديفة ولا يهم من أين؟!

ومن المفارقات ان كل المتحكمين في مصير البلاد والعباد والنافذين من سياسيين وأحزاب وتيارات وكتل فاعلة، ينادون بقيام الدولة، ولكنهم لم يتفقوا يوماً على "نص" واضح وواحد وصريح لمفهومها: "الدولة القادرة والعادلة" شعار كان أول من أطلقه مطلع الثمانينات، الرئيس سليم الحص، ولا يختلف عليه اثنان هذه الايام، ولكن السؤال: متى تصبح الدولة كذلك وكيف وما هي مواصفاتها؟

قبل اسابيع من اغتياله أوائل الثمانينات، قال نقيب الصحافة الشهيد رياض طه لصحافي مبتدئ كان معه في سيارته: هل تدري ان اللبنانيين شعب طيب؟ سأله: كيف؟ أجاب: "في غياب المخفر والعدلية وشرطي السير والخدمات العامة، لا شيء يمنع الناس من أن تأكل بعضها ومع ذلك لم يفعلوا. انها الضوابط والروادع الشخصية والاخلاقية.

إنها ايضاً "رعاية الله"…

كان الرئيس ميقاتي على حق قبل يومين!