لماذا الهجوم الشرس للثلاثي الأكثري على سليمان تحديداً وميقاتي وجنبلاط؟

ذكرت صحيفة "النهار": منذ فترة ليست بالقصيرة لم ير الراصدون سيارة الرئاسة الثانية وهي تقطع المسافة بين عين التينة وقصر بعبدا في الزيارة الاسبوعية كما هي العادة صبيحة كل أربعاء.




ولأن رئيس مجلس النواب نبيه بري لا يشكو عارضاً صحياً يجعله يتخلف عن القيام بزيارته الاسبوعية، ولم يصل به الحذر الأمني حد الاستنكاف عن الحراك، فقد بدا جلياً أن العلاقة بين الرئاستين الأولى والثانية ليست على ما يرام، وأن بري الذي يعرف عنه انه لا يوصد باباً ولا يقطع قناة، قرر فعلا ان يقدم على ما لم يقدم عليه سابقاً وبالتالي يعزف عن زيارة سليمان.

ولم يقف الأمر عند هذه الحدود، بل ان بري فتح ما يشبه حرباً اعلامية وإن كانت ناعمة وديبلوماسية على "السلطة التنفيذية" محملاً اياها مسؤولية هذا التردي الحكومي كونها لا تقوم بما ينبغي ان تقوم به في مجال ادارة شؤون الناس والانفاق الحكومي وما الى ذلك من قضايا ومواضيع بالغة الحساسية.

وليس خافياً ان بري تقصّد استخدام مصطلح السلطة التنفيذية ليشير بإصبع الاتهام أيضاً الى رئيس الجمهورية اضافة الى رئيس الحكومة.

هل هي بداية قطيعة مفتوحة على الاحتمالات السلبية او بتعبير ألطف بداية ازمة في العلاقة بين الرئاستين الاولى والثانية من شأنها ان تغير قواعد اللعبة السابقة المضبوطة نوعاً ما بين مكونات الأكثرية الحالية، والرئاسة الأولى احداها؟

لا ريب ان مظاهر الازمة لا تقتصر فقط على انقطاع بري عن زيارة قصر بعبدا اسبوعياً، فجذور الازمة ممتدة ومتفاعلة منذ فترة وكانت احدى ابرز تجلياتها ليس فقط الانتقادات التي وجهها بري الى السلطة التنفيذية فحسب، إن عبر لقائه المباشر الاخير مع الرئيس ميقاتي، او عبر تصريحات ادلى بها بري والمحيطون به في الآونة الأخيرة، بل ظهرت جلية في هذا "الاصرار الشرس" الذي أبداه وزراء الثلاثي حركة "امل" و"تكتل التغيير والاصلاح" و"حزب الله" ومن دخل في حلفهم من قوى اخرى على رفض أية صيغ تسوية او حل لموضوع الانفاق الحكومي من خارج الموازنة العامة، وبالتالي تمسكهم بمسألة توقيع الرئيس سليمان المرسوم الذي صار يعرف بمرسوم الـ8900 مليار ليرة، مستخدماً صلاحياته الاستثنائية بغية حل ازمة الانفاق الحكومي، وإنهاء المظاهر السلبية التعطيلية المترتبة على عدم توقيع المرسوم المذكور.

والواضح ان هذا الثلاثي لم يكتف بحشر سليمان من خلال اصراره على هذا الحل، وتحميله تبعات الامتناع، بل شنّ عليه حملة سياسية اعلامية ضارية جعلت سيد قصر بعبدا يرفع نبرته بالاحتجاج عالياً الى درجة قوله ان الأمور بلغت "الخط الاحمر".
وحيال موقف الثلاثي هذا، بدا واضحاً ان دوائر قصر بعبدا استشعرت ان "نهج التوفيق" والوسطية الذي سلكته و"تحصّنت" به طوال الاعوام الاربعة الماضية التي تلت وصول سليمان الى سدة الرئاسة الأولى قد سقط دفعة واحدة وبات هذه المرة وجهاً لوجه امام الثلاثي القابض بشراسة على ناصية الحكومة والذي نجح في توجيه ضربة قاصمة الى خصمه وأقصاه عن الحكم ومن ثم ألّف اول حكومة غير وفاقية في لبنان منذ فترة طويلة، واتضح لاحقاً بفعل التجربة ان "اللعب" معه ليس سهلاً محمود العواقب.

وعليه فان السؤال المطروح بإلحاح هو: لماذا تخلت الاكثرية المتمثلة بـ"الثلاثي" عن مراعاتها السابقة لما كانت تعتبر انه خصوصية الرئيس سليمان وتتقبل الكثير من توجهاته رغم مآخذها على سلوكه في العديد من المحطات والمناسبات؟ وبالتالي يبادر الى احد ابرز رموزها (اي بري) الى حد كسره تقليد اللقاء الاسبوعي ومن ثم محاصرة هذا الفريق له في مسألة الاصرار على اخذ توقيعه على المرسوم مثار السجال والجدال؟

واقع الحال، وفق اوساط عليمة في هذا الثلاثي، ان الثلاثي المذكور ينفذ هجوماً ثلاثي الابعاد ومتزامناً على ما اصطلح تسميته بالقوى الوسطية في داخل صف الأكثرية والتي تضم بين جنباتها الى الرئيس سليمان، الرئيس ميقاتي ورئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط.
ولم يعد خافياً أن "هذا الهجوم" المتأخر بعض الشيء، جاء بناء على اعتبارات ومعطيات عدة، في مقدمها ان أركان الفريق الوسطي، بدوا وكأنهم قد شرعوا هم بداية في "شن هجوم" غايته القصوى تعطيل الحكومة، وجعلها تبدو أقرب الى حكومة تصريف اعمال منها الى أي حكومة أخرى كبديل مفترض من تحقيق هدف اسقاط هذه الحكومة. إذ ان أي عملية رصد وتقصٍ لمسيرة الحكومة منذ انطلاق قطارها قبل نحو عام، تظهر أن أي انجاز كبير يعتد به، لم تستطع الحكومة الغارقة في متاهات تناقضاتها تحقيقه.

وكانت ثالثة الأثافي أو القشة التي قصمت ظهر البعير هي مسألة الانفاق الحكومي ورفض الرئيس سليمان بغطاء جلي من شريكيه المفترضين في موقع الوسطية التوقيع على مرسوم الحل لهذه القضية رغم الشروحات والتوضيحات التي قدمت له لدحض أية لا مشروعية لهذا المرسوم، ولتبديد الهواجس التي يعلنها لكي يبرر عدم اقدامه على التوقيع.

وقد شعر هذا الثلاثي بأن ثمة من يريد ان يقدم "كبش فداء" أو عربوناً مسبقاً لفريق المعارضة من خلال جعل هذه الحكومة في حال "موت سريري" بعدما أيقن ان ثمة خطوطاً حمراً متنوعة المصدر تحول دون تحقيق رغبة المعارضة في رؤية هذه الحكومة تتهاوى وتتداعى.

وعموماً استشعر الثلاثي ان الامر كله صار مريباً ولم يعد القبول بواقع الحال امراً مقبولاً، بعدما بلغ الوضع مرحلة وضع العراقيل أمام تأمين الأموال للحكومة لكي تنفق الحد الأدنى المطلوب منها انفاقه، خصوصاً ان هذا الثلاثي بدأ يراكم انطباعات فحواها ان لكل ضلع من اضلاع المثلث الوسطي الشريك في الحكومة، هدفاً مضمراً بعيد المدى يرسمل عليه من خلال هذا الاداء "التعجيزي"، وهو يراوح بين الرغبة الضمنية في التمديد، ولا سيما انه تناهى الى علم دوائر القرار في الثلاثي فحوى كلام في هذا الشأن قيل مع المسؤولين في عاصمة عربية يتصل بأنه مهما كانت نتائج الانتخابات النيابية ووفق أي قانون فهي لن تسمح بأكثرية الثلثين التي تمكن أحد فريقي النزاع من تسمية رئيس "على خاطره" وبالتالي فلا ضير من تكرار تجربة الرئيس التوافقي، والرغبة في التفكير بعرض مستقبلي تناهى الى علم الضلع الثاني من المثلث الوسطي يقضي بحفظ موقعه الحالي في قابل الايام إذا ما سار في ركب الحكومة التكنوقراط بعد فرط عقد الحكومة الحالية.
أما الضلع الثالث فلا يحتاج الامر الى شطارة كبرى لكي يقف المراقب على هواجسه المتشعبة وحساباته المعقدة ومخاوفه المتراكمة، لذا فهو في حال استدراج عروض دائمة يقدمها في كل اطلالة اعلامية له.

ولا تخفي اوساط ثلاثي الأكثرية، انه في هجومه المثلث الاضلاع على شركائه الوسطيين يتبع سبلاً مختلفة، ومعالجات متمايزة، تنطلق ايضاً من هدفين اساسيين:

الأول: الحفاظ على اطالة عمر الحكومة اطول وقت ممكن حتى لا تكون هدية مجانية تقدم لتيار "المستقبل" الذي بادر الى التصعيد على نحو غير مألوف في الآونة الاخيرة بعدما استشعر بأن الظروف والمعطيات لن تحقق أمنيته الكبرى في اسقاطها.

الثاني: ان ما تؤمّنه الحكومة الحالية رغم ما يعتريها من تصدّعات، من استقرار وشبكة امان، هو أفضل من تبعات رحيلها او ترحيلها.

والواضح ان الثلاثي الأكثري بدأ هجومه على ميقاتي منذ فترة بعيدة وترك هذا الامر في عهدة الرئيس بري اكثر من سواه.

ولا تكتم أوساط هذا الثلاثي رهانها على قرب اقتناع ميقاتي نفسه بأن "امنيات ووعود" الفريق الآخر ستنتهي، وستبدأ عهد الهجوم عليه قريباً إن لم يكن قد بدأ في الخطاب الاخير للرئيس سعد الحريري في السادس من ايار الجاري. أما التعاطي مع النائب جنبلاط فله ولا ريب معايير ووسائل مختلفة تقوم على اللقاءات المباشرة والتي كان آخرها ليل اول من امس وقبلها اللقاء الذي كان بين الرئيس بري والوزير وائل ابو فاعور اذ كان الاخير مهتماً، بحسب اوساط بري في الوقوف على جوهر الموقف من موضوع الانفاق الحكومي.

وعليه فان ثمة حرصاً على عدم قطع حبل الحوار مع جنبلاط حتى نهاية المطاف خصوصا أن الرجل لم يبرح بعد موقعه في الحكومة الحالية.

اما العلاقة مع الرئيس سليمان فلها حساب آخر مختلف.

فقبل مدة تناهى الى علم الرئيس بري كلام قاله سليمان خلال لقاءاته مع مغتربين في اوستراليا، وفحواه ان ثمة مشكلة في وزارة الخارجية التي قال عنها أنها بحاجة الى "تزييت".

وعندما ابلغ الرئيس سليمان بأن التشكيلات الديبلوماسية جاهزة منذ ايام الوزير علي الشامي وان المطلوب العمل على تنفيذها، فاتح سليمان وزير الخارجية برغبته في أن يسمي السفراء من خارج الملاك، ثم عاد وقال في لقاء آخر انه مع مكافأة الذين هم في الملاك وترفيعهم.

ومع ان سليمان كان السبّاق في اثارة مسألة وضع قانون انتخاب جديد يقوم على مبدأ النسبية، وعمد الى الترويج له وذم القانون الحالي (الستين) لكنه عاد وتخلى عن الموضوع في الآونة الأخيرة.

والرئيس سليمان الذي امضى الثلث الاول من عهده وهو يتحدث عن ضرورة تعزيز صلاحيات الرئاسة الاولى، استنكف عن استعمال الصلاحيات المتبقية له عندما تسنى له ان يستعملها في موضوع توقيع مرسوم الـ8900 مليار.

وعندما تحدث عن لادستورية المرسوم اياه قيل له لماذا وقعت اول مرة وأحلته على مجلس النواب، فرد بأنها "غلطة".

وفي كل الاحوال بات الثلاثي الأكثري يجد في سليمان الحالي، رئيساً مختلفاً عن الرئيس الذي انتُخب في نهاية ايار عام 2008، وبالتالي كان لا بد من ان يتغير شكل التعامل معه والنظرة اليه.