من يحمي كل هذه المافيات؟؟ – جان عزيز – الأخبار


لا شك أن ثمة أزمة نظام في لبنان. وهي أزمة استعرت وتفاقمت منذ الانسحاب السوري سنة 2005، إذ دخلنا بعده في مرحلة إدارة لأزمة النظام. وذلك لأسباب قد تستحق تفصيلاً لاحقاً، لكنها لا تعني إطلاقاً أن الانسحاب المذكور كان خطأً، بل كان عين الصواب والحق، وكان فرصة تاريخية أُهدرت ولن تعود أبداً.

وسط محاولاتنا كالعميان تلمس سبل إدارة تلك الأزمة، جاءت زلازل المنطقة وفوضاها سنة 2011، لتضيف الى أزمة النظام، أزمة في إدارة الأزمة نفسها. ومن دون أن يعني ذلك قطعاً أن تلك الزلازل لم تكن مفهومة أو واجبة أو ضرورية، مقارنة بزمن الاستبداد والبؤس السابق.

لكن ثمة بُعداً آخر لمعاناة الإنسان عندنا، الإنسان الفرد، المواطن. ولمعاناته تحديداً في كرامته، وفي عمق كرامته البشرية، بُعد لاعلاقة له ربما بأزمة النظام، ولا بأزمة إدارة أزمته. إنها أزمة خاصة، من نوع آخر، أكثر بساطة وآنية ومعيشة وموضوعية، من كل تلك الأزمات المجردة. ما هي عوارضها؟ هذه أمثلة يسيرة من فيض كثير:

يروي مواطن في بلدة متنية وسطية أن مالك عقار يقع تماماً قبالة منزله، حصل على رخصة تشييد بناء. عند التنفيذ، وهو ما يجري حالياً، شطحت مركنتيلية المالك، فأضاف طابقين اثنين الى مستوى الارتفاع القانوني. تقدم المواطن المتضرر من هذه المخالفة المشهودة والصارخة بشكوى أمام الجهة المحلية المسؤولة عن المنطقة. فصدر قرار إداري لصالحه. توقف العمل في المخالفة أياماً قليلة، ثم استؤنف بشكل طبيعي. عند المراجعة، تبين أن إرادة نافذة فرضت على الجهة المحلية قلب قرارها السابق. ذهب المواطن الى قضاء العجلة. حصل على حكم. نُفذ لأيام أخرى.. قبل أن يلقى مصير زميله البلدي، إذ نُقض بقرار قضائي لاحق، عاكس الأول ولحس تواقيعه. تدخَّلت إدارة مرجع كبير في الدولة، من دون جدوى، لأن هذا المثل نموذج عن آلاف في تلك «الدويلة» الخاصة. علماً أن البعض يبررها بعبارة واحدة: عندما تزيلون مخالفات الضاحية، «تعوا لعنا»…

من المتن الى كسروان، ومن الوسط الى الساحل، يروي أهالي جونيه أن أحد المطاعم بات له فجأة قبل أيام، وفي غضون ثلاث ليال ليلاء، مرفأ خاص في قلب البحر. بغتة وفي ظل ورشة ظلامية فرخ له «سنسول» يخرق الأملاك البحرية و«يخوزق» الصالح العام والملك العام والذوق العام. رغبة المطعم هي أن يستقبل مرتاديه بحراً على يخوتهم الفارهة. وأصحاب تلك لا يعوزهم من يقدر على إغماض عيون السلطة ثلاث ليال فقط، هي من تنام أصلاً نومة أهل الكهف.. فضلاً عن تغطية نافذ في المنطقة، قادر على إثارة وجع الرأس، حرفياً الوجع، وحرفياً في الرأس. لا ملاحقة قضائية للمخالفة؟ يجيبك ابن جونيه: ثمة راهب من الكسليك خطفه معروفون، ولم يتحرك قاض…

من البحر والمتن، إلى متن دائرة خدماتية في إحدى الوزارات. يرأسها موظف لم يبق له في الخدمة غير ستة أشهر قبل تقاعده. لذلك بدأ حملة من الاتصالات الهاتفية، شملت مسحاً كاملاً لجميع «الزبائن» التقليديين أو المحتملين لدائرته. الرسالة صريحة وواحدة: أي معاملة لديكم، لأي مشروع حالي أو مستقبلي، ننجزها الآن مع حسومات كبيرة وتنزيلات فعلية. الأوكازيون مفتوح للأشهر الستة الآتية. بعدها، يخلق الله ما لا تعلمون. وفي ظل «الشغل الخفيف» وقاعدة «يذهب الجوعان ويأتي الفجعان»، توقعوا ارتفاعاً أكيداً في تسعيرة الخلف. لذلك نصيحة «غير مجانية»، لحقوا حالكم…

من الوزارة إلى الشطارة، يروي مهندسون أنه منذ مدة صدر عن الدوائر المختصة تعميم يفرض وجود محطة تكرير للمياه المبتذلة، ضمن كل مشروع بناء يقدم طلب ترخيص لتشييده. محاولة حداثة وتطوير بيئي في هذا البلد الواقع بين مزبلة النورماندي ومجارير الليطاني. لكن المشكلة أن أي إدارة رسمية لم تلحظ ماذا ستفعل تلك الأبنية بالمياه الناتجة من محطات التكرير المفترضة. النتيجة نظام غير صالح للتطبيق، وباب لمدخول إضافي لسلاطين المراقبين والمفتشين. كلفة المحطة مع مأزقها اللاحق، نحو 20 ألف دولار أميركي لبناية سكنية متوسطة. كلفة مفترضة يُعفيكم منها المراقب السربست، بعملية «مناولة» تراوح بين ألفين و3 آلاف دولار. مزراب ذهب فعلي. ما جعل أحدهم يجتهد أكثر: جاء بمحطة تكرير نموذجية، يركبها لساعات، لحظة حضور المفتش، ثم يفككها وينقلها الى بناية الزبون التالي. على طريقة «معاينة الميكانيك»، حيث يقال إن نصف العبارة الأول غائب، لا معاينة، اما نصفها الثاني فحاضر دائماً، في وطنٍ يتساجل زجالوه من السياسيين والمثقفين، هل هو منتوج ستة آلاف سنة حضارة مضت، أم هو مشروع لقاء حضاري لستة آلاف سنة آتية من العولمة…

قبل كل قضاياكم الكونية، حلوا لنا واحدة من هذه، إن كنتم تقدرون.