صباح المنتظرة للموت: خلاص قربت نهايتي ما تبكوا… بدي تذيعوا أغنياتي وتدبكوا


ما إن وصلت مستشفى قلب يسوع (في بيروت)، وشاهدت سيدة الفرح والحركة والنشاط ممتدة على سرير المرض نفرت دمعتي من عيني، قررت سجنها كي لا أؤلم الأسطورة أو أشعرها بحزني وهي التي عودتنا على أن تمسح دموعنا، وتزيل تعبنا، وتفرض علينا البسمة والتطنيش، حاولت أن ابعد نظري فإذ بنظراتها تصيب هروبي، قالت على الفور بعد أن تغزلت بلون التيشرت: «يقبرني الأخضر يلي لابسه… خلاص ياأستاذ قرب الموت، أحس أن هذه آخر مرة أدخل فيها المستشفى، وأراك أيضا، بدي اعرف شو في بالموت… كيف أولادك، لماذا زوجتك ليست معك، شفت لبنان شو معتر، يا ليتك ما جيت من السفر… »!!
طلبت مني المخرجة والأمينة كلوديا أن لا أسألها الكثير من الأسئلة، فبدوري طلبت من الصبوحة أن لا تتعب نفسها بالكلام، فالطبيب وحتى الممرضة أمرانا بألا نسمح لها بالكلام… ولكن صباح لا تحب أن يفرض عليها بل هي التي تفرض، إنها حرة منذ الولادة وفي طفولتها وبشبابها وحتى في حياتها وبمرضها… قررت الصمت، فقط أعدت تكرار طلبي بأن لا تتكلم…
صبوحة ما في داعي للكلام، شوفتك عندي بتكفي…
– ردت على الفور… خلاص قربت نهايتي، من زمان أنتظر الموت، أنا أرغب به، أريد أن أعرف سره، وماذا يوجد بعد الموت، كل الأصحاب والأحباب، ومن صنعت معهم ألعابنا وحكاياتنا وفننا رحلوا، دخلك شو بعد في؟ لبنان وخربوه وشوهوه، لازم روح.




أنا وأم كلثوم وفريد وحليم

حرام عليك، الله يطول بعمرك ووجودك يزين الوطن وبركة للفن، ما تحكي هيك…
– سمعت في حرب بسورية وبمصر حرام هيك… » وبدأت تتحدث عبر ذاكرتها دون أن تهتم لنا، بل تصمت ومن ثم تفتح الموضوع الذي يخطر على بالها بحجة أن الجلسة معها أصبحت مملة وهي لا تريد ذلك»… ذهبت للاستماع ومشاهدة أم كلثوم على المسرح بأغنية لعبد الوهاب، وانتظرت الاستراحة حتى ادخل، وما أن دخلت حتى جن جمهورها، وأخذ يصفق لي ويجتمعوا من حولي، مرددين أجمل العبارات، أخجلوني وأربكوني، فما كان من عبد الوهاب إلا أن لفت نظري فسارعت وجلست بقربه، وفي اليوم التالي اتصلت بي أم كلثوم شاكرة حضوري، وأخبرتني بما حصل معي من جمهورها، وطلبت مني أن أسهر عندها لأن عائلة عراقية مهمة تزورها ومعجبة بي، ويريدوني، وكانت سهرة رائعة… أم كلثوم كبيرة جداً، كانت تحبني وتقول يا مجنونة إزاي تقولين الموال كده، حرام عليك؟!
بعد صمت، والنظر إلينا مع حزن في عينيها، وحركة بطيئة، وصوت يتدحرج على خد الزمن تابعت عن أم كلثوم، كانت تعرف أنني قوية، ونشيطة ومحترمة، لم أكن أحب السهر كثيرا، ولا الشرب أو النميمة، كانت معجبة بفيلم «خلي بالك من زوزو»، بتذكر كان في فنانة ناعمة تحب بجنون فريد الأطرش، وتغار عليه، ومن غيرتها كانت تشرب حتى السكر، كنت أنصحها بعدم الشرب، أنا ما بهمني الحبيب وما بغار عليه، وليش بدي أسكر وفكر فيه لشوا دخلك، كان عقلي كبير… فريد كريم جداً، وحنون، ويحبني كأخت، وكان جاري، وكل ألحانه سمعتها، كان طيب، وعبد الحليم حافظ كان يزكزكه، بس ولا مرة شتمه أمامي… كنا نحترم بعضنا.
زعل وديع وجمال والسادات ومبارك
أطلب منها الصمت، لكنها ترفض، تحاول كلوديا إعادة ترتيب وضعيتها على الكرسي، فتطلب منها صباح أن تطعمني، وتقدم أحسن الضيافة… تذكرنا بالموت من جديد، وتقول:
– خبرتك عن وديع الصافي؟ كان زعلان مني لأني ما غنيت معه بنهر الكلب، المكان لا يصلح للغناء، والقصة ضعيفة والأغاني لم تعجبني كلماتها والحانها، يومها غنيت في بعلبك، وصالحت أهل بعلبك مع المهرجان، أنا الوحيدي يلي كانت تجيب فلوس للمهرجان، وأهل بعلبك كرموني، وكنت صالح العائلات إذا اختلفوا، كان جمال عبد الناصري معجبا بي، وأخبرني بأنني أنا وعبدالحليم كانت حفلاتنا هي الأكثر نجاحا، وتحصد المال الوفير الذي ذهب لمساعدة الثورة والجيش، غنيت له «من سحر عيونك» الرقابة الفنية لا تسمح بها ولكن جمال كان يعشقها… طلب مني أنور السادات أن أساهم بأن يترك المصري الدشداشة، ويرتدي اللباس الافرنجي، ما مشي الحال، كان يحب الغناء اللبناني وبالأخص الدبكة، كانت زوجته ذكية وملكة ومعجبة بي، أنا أحييت كل حفلاتها الكبيرة والخاصة… حسني مبارك قال لي: « أنت الفنانة الوحيدة التي جاءت إلى مصر وغير مسلمة وعشقها الجمهور المصري بكل أجياله وبجنون»، فرديت بأنني من روح ودم مصري، حينها أخبرني بأنه سيكرمني… يمكن ما كرمني، والله نسيت!!

منع أفلامها في مصر

بعد صمت أكملت فكرتها، صحيح سيمنعون في مصر بعض المشاهد من أفلامي وأفلام عبدالحليم… انصحهم ألا يعرضوها مع أنها جميلة وهادفة وصادقة ومشغولة بصفاء النفوس بس لا يشوهوها، ويقطعوها ويقطشوها، حرام عليهم والله حرام!!
بتعرف ع أيامنا كان في أخلاق وذوق، اليوم ما في ذوق، وأصحاب الإنتاج كانوا كرماء معي بشكل لا يوصف، في مهرجان بيت الدين كان الكرم لا يصدق والوصف جنونيا وكل العالم حضرت، كنت مبسوطة كثير.

الرجل

ماذا كان يلفتك بالرجل سابقا؟
– دخلك ليش كل الناس اليوم ترتدي أورنج شو القصة « تقصد نقل الفضائيات لمهرجان التيار الوطني الحر وخطاب النائب الجنرال ميشال عون»؟… حذاء الرجل يدل على نظافته وأناقته وشخصيته… اليوم بحب العيون الجميلة والبراقة مثل الممثل التركي أسمر، أعجبت بمهند ولكن بس شفته غيرت رأيي!!

زعل الصحافة وكشف سرها في الإعلام

أحببت أن أتشاطر وأغير الحديث، أو أوقفها عن الكلام، فقلت لها: «كل الإعلام يحبك، ويكتبون عنك أجمل العبارات»… ضحكت، وعلقت بابتسامة، ومن ثم قالت: «ليش الست نضال ما كلمتني، وما عم تكتب عني، يمكن زعلانة مني، ما عم اتصل فيها معها حق، أنا بس أقرأ لـ عبد الغني طليس أبكي، كلماته صادقة، يذكرني بجورج وحمد – تقصد جورج إبراهيم الخوري، ومحمد بديع سربيه – زماننا زمن الكبار في كل شيء، الصحافي كان يساعدنا وما كان يضرنا، وكنا نحترم الصحافي»!!
بدي خبرك سر أنا أكثر فنانة كتب عنها إشاعات وخبريات ومديح في العالم، كنت بهر الإشاعة حتى تنتشر لأن الفنان لازم يظل بالصورة، وإذا غاب عنها انتهى فنيا، أنا ساهمت بصناعة إعلامي وبعض إشاعاتي والخبريات، وما كنت خاف من الإعلام ولا من الغناء، ولا من الحوارات… وأنت من زمان ما كتبت عني، أنا بحب كلامك الراقي، ولازم تكتب عني اليوم، أنت أهم صديق عندي، ووفي وما عندك غايات!!
تدخلت ممرضتها الخاصة والمرافقة الدائمة هند علي بكلام موجه لي شخصيا: «شفت يا أستاذ ولا سياسي اتصل فيها، يا عيب الشوم»… على الفور طلبت صباح معرفة ماذا تقول هند، فرفعنا صوتنا كي نعلمها بالأمر، فقالت: «مش فاضيين للبنان فكيف بدك ياهن يفكروا فينا، أنا بشرفهن بس ما بتشرف فيهن، أنا ما سرقت ولا عملت الفساد ولا قتلت أحد، ولا برقبتي في دماء، أنا غنيت الفرح والوطن والجمال، وأدخلت السعادة على قلوب الناس، كنت بالحرب أغني بالشارع وما خاف لأني بحب بلدي وأهلي… ما بدي تبكوا إذا مت، ولا بدي خطابات، بدي تذيعوا أغنياتي وتدبكوا، وترتدوا الملابس الفرحة، ما بدي ملابس سوداء… أنا رايحة ع عالم جديد فبدي تزفوني…».
دخلت كلوديا على الخط طالبة منها عدم الكلام، فترد عليها كما قالت سابقا: «شو الجلسي معي مزعجة؟».

لنا كلمة

لا يا سيدة صباح، الجلسة معك ليست مملة أو مزعجة، بل نحن المملون لأننا لم نعرف تقديم روحك وقيمتك وطيبتك وفنك كما تستحقين، لا يا أسطورة الفن أنت لست مزعجة بل نحن المزعجون لأننا حتى البرهة لم نرفع الصوت أمام ظلامك من مهملين جهودك في وطن تعود اغتيال فرسانه وجنوده وعظمائه، نحن من سكت تعمدا بعد أن شوهوا حقيقتك وتخلفوا عن إبرازك في مسلسل كان الواجب أن يتحدث عنك فإذ بهم شوهوا الفن، والسكوت لأسباب نعرفها ولن نبوح بها اليوم، لأنك بعد هذا العمر لا ترغبين بنبش الأوجاع، أو محاكمة أحد!!
سيدتي في حضرة الكلام عنك تقف الكلمات منبهرة، يضيع الصوت ويبقى موالك، تهرول النظرات إلى جمالك، صدقيني تعجز الكلمات عن بوح ما في عمقنا من مخزون أسرارك، سيأتي اليوم الذي قد نتمكن به من البوح… الله يعطيك الصحة والستر في هذه الظروف الموجعة!!
ملاحظة: دار هذا الحوار من الواحدة ظهرا حتى الثالثة والنصف بعد الظهر في مستشفى قلب يسوع في الطابق الثالث غرفة رقم 3004 وبجانبي كلوديا والصديقة الممرضة هند علي وفريق من الجهاز الطبي، واستمر ليومين الأحد والاثنين أي 6 و7 من شهر مايو الجاري.


جريدة الراي