لماذا صعّد العماد عون ضد جنبلاط بعد استهداف رئيس الجمهورية؟


كتبت صحيفة "اللواء": فجأة ومن دون أسباب موجبة، صعّد العماد عون خطابه السياسي، بلغة تستحضر الحرب الأهلية، مستهدفاً رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط بألفاظ نابية وبلغة التهديد من جهة، ونبش القبور من جهة ثانية على خلفية موقف كلٍ منهما من مشروع الإنفاق الحكومي، حيث رفض رئيس الجمهورية إصداره بمرسوم مستخدماً صلاحياته الدستورية، لأن الأمر قابل للطعن أمام مجلس شورى الدولة بناء على التعديلات التي أدخلتها لجنة المال والموازنة عليه وحيث وقف وزراء جبهة النضال إلى جانب رئيس الجمهورية ورفضوا تمرير صفقة للعماد عون تقضي بشرعنة الإنفاق الحكومي من خارج الموازنة في عهد الحكومة الحالية عن العام 2011 وترك الـ 11 مليار دولار أنفقتها حكومتي الرئيس فؤاد السنيورة بين العام 2006 و2010 من خارج الموازنة وبالطريقة نفسها التي لجأت إليها الحكومة الحالية.




عندما بدأت أزمة الإنفاق الحكومي قبل شهرين لجأ العماد عون إلى الضغط على رئيس الجمهورية لإجباره على استخدام صلاحياته الدستورية وإصدار مشروع قانون الإنفاق الحكومي بمرسوم، مستخدماً لغة الترهيب حيناً، ولغة الترغيب حيناً أخرى، لكن رئيس الجمهورية لم يستجب لهذه ولا لتلك، وبقي على موقفه الرافض لإصداره بمرسوم، الأمر الذي أثار انزعاج حلفاء العماد عون ولا سيما حزب الله وانضمّ وزراؤهم إلى وزرائه في المناقشات التي شهدتها جلسات مجلس الوزراء، مؤيّدين وجهة نظر العماد عون بضرورة إصدار مشروع القانون بمرسوم، ومحمّلين رئيس الجمهورية مسؤولية تعطيل الحكومة وتجميد كل المشاريع المعدّة والتي تحتاج إلى إنفاق على اعتبار أن الحكومة لا تستطيع أن تُنفق من خارج الموازنة بدون شرعنة الـ 8900 مليار ليرة، ومن خلالها الموافقة على سلفة خزينة للحكومة لكي تتمكّن من الإنفاق على المشاريع المجمّدة، المدرجة على جدول أعمالها للعام 2012.

وكانت الأوساط السياسية تراقب هذا السجال بين الجنرال عون والجنرال سليمان مع اعتقادها بأنه سيظل محصوراً ضمن آداب الخطاب السياسي ولن يتجاوز الجنرال عون الحدود المسموح بها على هذا الصعيد، من منطلق حرص حزب الله على الحكومة الحالية، وتمسّكه ببقائها وعدم التفريط بها مهما بلغ جنوح رئيسها في هذا الاتجاه أو في ذاك.

وفي آخر خطابات السيّد حسن نصر الله شكا من سوء أداء الحكومة، ومن تقصيرها في كل المجالات تقريباً، لكن هذا التقصير، لا يمكن أن يشكل بنظره سبباً للإطاحة بها، ذلك لأن الحكومات في لبنان لا تُحاسب على أعمالها ولا تستقيل بسبب تقصيرها، وإنما لأسباب سياسية.

وهذا الخطاب للسيّد حسن نصر الله، شكّل سنداً للرئيس نجيب ميقاتي من جهة، ولرئيس الجمهورية من جهة ثانية في معركتهما مع العماد، كما شكّل عامل ضغط على الجنرال عون لكي يخفف من هجومه على رئيسي الجمهورية والحكومة ويقبل بالأمور على علاتها، مع احتفاظه بحق التصويب عليهما في بعض الأحيان، من دون الذهاب إلى كسر الجرّة، فدخل جنرال الرابية في مساومات مع رئيسي الجمهورية والحكومة لتمرير مشاريع تخص وزراء تكتل التغيير والاصلاح ومنها مشروع استجرار الكهرباء بواسطة البواخر الراسية قبالة الشاطئ اللبناني، لكن رئيس الحكومة كان له بالمرصاد فألقى ظلالاً كثيفة من الشك حول هذه الصفقة، وانتهى الأمر الى تسوية عرجاء داخل مجلس الوزراء، قيّدت حركة صهر الجنرال الوزير جبران باسيل، وما لبثت التطورات المشوبة بالشبهات أن أطاحت بمشروعه استجرار الطاقة بواسطة بواخر ترسو قبالة الشاطئ اللبناني لعدم توفّر المال اللازم له من جهة، ولوجود شبهات تطاول الوزير باسيل وراء هذه الصفقة.

هذه التطورات الداخلية، حوّلت الغضب عند جنرال الرابية إلى هستيريا سياسية عبّر عنها في خطابه السياسي الأخير الذي وجهه إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وإلى النائب وليد جنبلاط ولم يصدر في أعقابه أي موقف عن حزب الله أو عن رئيس حركة أمل نبيه بري، بل صدر ما يشبه الثناء على مواقفه من خلال وقوف وزراء الحزب والحركة في مجلس الوزراء إلى جانب وزراء تكتل التغيير والاصلاح وتحميلهم رئيس الجمهورية مسؤولية عرقلة أعمال الحكومة، ومنعها من الانتاجية بحجب الأموال عنها.

ولم يتوقف الأمر عند هذه الحدود وإنما لجأ الرئيس بري إلى توجيه اللوم إلى رئيس الحكومة، بسبب تقصير الحكومة عن القيام بواجباتها، وكأنها إشارة منه إلى أن شهر العسل معها قد انتهى وبدأ يوم الحساب.

وتزامنت كل هذه التطورات مع معلومات وصلت إلى المعارضة عبر قنوات لبنانية ودبلوماسية أن النظام السوري ضاق ذرعاً بتصرفات الحكومة المحسوبة عليه نظرياً وحان الوقت لتحسين سلوكها أو التخلّص منها بطريقة ما، على أن تكون مختلفة عن الطريقة التي اعتمدها حزب الله للتخلّص من حكومة سعد الحريري، خصوصاً وأن النائب وليد جنبلاط الذي قطع كل علاقة له بالنظام، واتخذ منه موقفاً عدائياً إلى جانب الثورة الشعبية، ذهب بعيداً في غلوائه ويجب أن يُعطى درساً ما، من قبل فريق الثامن من آذار، ونصح الجانب السوري بأن يتولى العماد عون القيام بهذا الدور لاعتبارات تتعلق بحزب الله الذي ما يزال يصرّ على أن تبقى كل الجسور بينه وبين جنبلاط قائمة.

ولأن الجنرال عون يعرف رأي جنبلاط فيه، وفي سياسته وطموحاته وأهدافه ويقف منها موقفاً سلبياً، سدّد إليه العماد هذا الهجوم الذي فتح جراحات حرب الجبل، وكأن الهدف منه تسعير الخلاف مع جنبلاط وصولاً إلى تقويض مصالحة الجبل التي صنعها زعيم المختارة والبطريرك صفير قبل عدة سنوات وأنهت مرحلة من الآلام والأحقاد.

وترى أوساط متابعة لحركة العماد عون أنه لن يتوقف عند حدود ما ذهب إليه بل سيستمر في التصعيد ضد زعيم المختارة وضد رئيس الجمهورية على أرضية أنه إما قانون الانتخابات النسبي، وإما حرب أهلية.

ويبدو أن جنبلاط فهم الرسالة فسارع هو وأركان حزبه إلى الردّ على جنرال الرابية بأنه مهما فعل وحرّض وصعّد لن يجرّهم إلى الموقع الذي يخطط له هو وحلفاؤه.