تغيير النظام.. وجهة نظر – جورج علم – الجمهورية


يشغل تغيير النظام مساحة في الخطاب السياسي المتداول، يصرّ رئيس الجمهوريّة على الطائف، ويطالب بتفسير بعض البنود الملتبسة التي تحتمل التفسير والاجتهاد، فيما يطالب رئيس المجلس النيابي باعتماد النسبيّة مقابل ضمانات منها استحداث مجلس الشيوخ، ويردّ وليد جنبلاط بأن لا مجلس شيوخ إلّا بعد إلغاء الطائفيّة السياسيّة. ويتشعّب الطرح، وتتنوّع معه المقترحات والصيغ، من دون أفق.




ويبقى القول بأنّ النظام في لبنان ملفّ مفتوح في دوائر الدرس والتخطيط في عواصم دول القرار التي تتعاطى مع الربيع العربي بجدّية، وبكثير من الاهتمام، في محاولة لوضع تصوّرات حول أسُس الأنظمة البديلة التي يفترض أن تحلّ مكان المخلوعة، والوظائف المرجوّة منها. ويتناول البحث في بعض هذه الدوائر هويّة التغيير في لبنان، وهل يفترض أن يكون نحو تعميم الكانتونات القائمة على أسُس طائفيّة – مذهبيّة، أو نحو تمتين أواصر الوحدة بين اللبنانيّين، وإزالة الفوارق الإنمائيّة، والثقافيّة، والاجتماعيّة والاقتصاديّة ما بين المناطق؟.

يوجد اجتهادات مختلفة، من النوع القائل بأنّ الكيانات التي رسمت حدودها معاهدة سايكس – بيكو قد "خدمت عسكريتها"، ولم تتمكّن من إنتاج دول جديرة بالاحترام، والاستمرار، لأنّها كانت على مرّ العهود والعقود أشبه بمشيخات، أو ديكتاتوريات، أو إقطاعيّات، تمسك برقاب الناس من خلال إمساكها بمقاليد السلطة بقبضة فولاذيّة، فلا حرّيات، ولا إقتصاد، ولا إنماء، ولا ثقافة او تنوير، حتى إنّ خيرات البلد ليست لأهل البلد، بل للخارج الحاضن، أو الضامن، أو المستعمر، والحال واحد في كلّ الأحوال سواء أكان هذا البلد محكوماً بديكتاتوريّ، أو جنرال عسكريّ، أو شيخ، أو أمير، أو ملك، لقد تعدّدت أوجه النظم القائمة، فيما المردود واحد، والنتيجة واحدة.

حتى إنّ الربيع العربي، ليس صنيع الشعوب الثائرة المنتفضة، إنّها وقوده، وضحيته. هذا الربيع زرع خميره في عجين هذه الأمّة عندما بشّرنا هنري كيسنجر منذ العام 1973 بشرق أوسط جديد قائم على الكيانات الطائفيّة والمذهبيّة، كي تبقى إسرائيل هي الأقوى تفوّقاً وإنماءً واقتصاداً. هذا الربيع أعاد التأكيد عليه الرئيس جورج دبليو بوش، عشيّة هجومه على العراق لاقتلاع صدّام حسين عندما قال:

"آن الأوان لنشر الحرّية والديموقراطيّة في الشرق الأوسط الواسع والكبير"، وإذ بديمقراطيته تدخل على متن دبّابة إلى عراق قويّ موحّد، لتخرج منه مشظّى، ترسم أنهار الدماء حدود أقاليمه الطائفيّة والمذهبيّة والعرقيّة والفئويّة. وليس العراق وحده المثل والمثال، فما يجري في السودان، وتونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وفي البحرين… ليس بقليل.

أمّا لبنان فلا يمكنه أن يكون أيضاً المثل والمثال. هذه وجهة نظر، أمّا الأسباب فهي كثيرة، ذلك أنّ الكيان اللبناني عندما رسم حدود جغرافيته قلم سايكس – بيكو، إنّما رسمها لغرض واضح لا لبس فيه، أن يكون وطن الأقلّيات، المتفاعلة المتفاهمة المتعاونة في ما بينها، وعندما يفقد هذا الكيان وظيفته، وتصبح هذه الأقلّيات مأزومة عاجزة عن التفاهم والتعاون في ما بينها، لا يعود من لزوم لاستمراره، وعندما تصبح الكانتونات، والمربّعات مطلباً عند غالبيّة الفئات، عندها ينتفي دور هذا اللبنان، ويفقد دوره وحضوره. ثمّ إنّ الإرشاد الرسولي ليس عملاً أنتجَته الدوائر الكنسيّة وحدها، بقدر ما هو فعل إقرار أمميّ برسالة لبنان ودوره وديمومته. إنّه فعل إيمان دوليّ تُلي تحت جبّة فاتيكانيّة، ولأنّه كذلك فإنّ الهويّة المستقبليّة واضحة لجهة الاستمراريّة، لكنّ إرادة التطوير والتحسين والتجميل ليست ملك اللبنانيّين ولن تكون، لأنّ هذا اللبنان مذ كان التاريخ، كان بلد المحميّات الخارجيّة، هذا هو التاريخ، لا بل هذا ما تعلّمناه في التاريخ.

أمّا الكلام على "النأي بالنفس"، و" حياديّة لبنان، وتكريسه وطناً للحوار، وملتقى تفاعل الأديان والثقافات" فليس مجرّد أضغاث أحلام. هناك في دوائر القرار من يدرس ويحلّل ويبحث عن الأطر والمخارج، وعندما جاءنا " الخبير" جيفري فيلتمان قبل أيّام حاملاً رسالة تهنئة الى الرئيس ميشال سليمان على خطابه في القمّة العربيّة، جاء ليسأله رأيه في مصير الأقلّيات في الشرق، وفي سوريا، وليناقش معه مجموعة من الأفكار والطروحات حول كيفيّة حماية لبنان "كأنموذج لحوار الحضارات". جيفري فيلتمان واحد من دبلوماسيّين دوليّين كثر مكلّفين بتزويد إدارات دولهم، ومراكز الدراسات والأبحاث عندهم، بالتقارير والمعلومات ذات الصلة، مع تأكيد على ما هو مؤكّد: "بأنّ الضجيج هنا، فيما الفعل في دوائر القرار، والزفّة هنا، فيما المراسم تطبخ في الخارج… هذا هو لبنان؟!".