لبنان يسأل عن دور عربي ضائع بين رحيمي وفيلتمان – دنيز عطالله حداد – السفير


اضاء حضور الدبلوماسية الاميركية والايرانية في لبنان على غياب الدبلوماسية العربية. ففي حين كان مساعد وزيرة الخارجية الاميركية جيفري فيلتمان ونائب الرئيس الايراني محمد رضا رحيمي يصولان ويجولان في اليومين الماضيين، لم يحضر العرب الا عبر سجال السفيرين السوري علي عبد الكريم علي والسعودي علي عواض عسيري على خلفية باخرة الاسلحة المهربة الى لبنان.


يحدث ذلك في ظل اوضاع حكومية شديدة الهشاشة. وهي هشاشة تنسحب على كل مرافق الدولة وقطاعاتها ما يدفع احد السياسيين المخضرمين الى استهلال كلامه بالدعاء «حمى الله لبنان».

يقول السياسي نفسه «إن حال البلد تدعو الى القلق الجدي. فاضافة الى تحول البلد مجددا الى صندوق بريد يتبادل فيها طرفا الصراع الاميركي والايراني رسائلهما المبطنة حينا والعلنية في معظم الاحيان، فان واقع المؤسسات الدستورية بات مدعاة للخوف».

يستعرض هذا السياسي «الواقع الحكومي المعرّض للانفجار بين لحظة واخرى. يمر على «خطب نواب الامة من على منبر مجلس النواب التي ترشح مذهبية وتحريضا وتعزز الانقسامات». يتوقف عند «معاناة الاجهزة الامنية التي تقارب الفضيحة وعجزها عن ايجاد التمويل الكافي لحماية امن المواطنين». يسخر من «الاستقرار الممسوك في حين ان ارتفاع معدل الجرائم الجنائية بحسب اقرار وزير الداخلية نفسه بلغ نحو خمسين في المئة. ناهيك عن التوتر الشمالي الدائم وخوف الناس المتواصل سواء من تحرك عمالي او تظاهرة سلمية».

يضيف «اما مصرف لبنان، فيسير بين النقاط والحروف محاولا الابقاء على متانة القطاع المصرفي وتجنب السقطات السياسية وانعكاساتها. ووسط كل ذلك يتجلى صراع 8 و14 آذار بحلته الاصلية ولاعبيه الفعليين. فيبدو البلد في خفة الريشة، بلا ارادة، قد تحمله الريح في كل اتجاه».

يقول السياسي المسؤول «إن الطبيعة لا تحب الفراغ. وغياب العرب وانشغالهم بقضاياهم الداخلية واسقاطهم لبنان عن جدول اولوياتهم اتاح للاعبين الاميركي والايراني استخدام البلد ساحة حوار وتهديد مبطّنين في الوقت نفسه. عندنا تتم حسم صراعات الآخرين ويحاول كل فريق ان يقول للثاني: الامر لي وان ادوات التنفيذ المحلية جاهزة».

بديهي الا يوافق الفريقان المعنيان على هذه القراءة. يقر مصدر مسؤول في «14 آذار» ان «زيارة فيلتمان حملت في احد وجوهها ردا على زيارة رحيمي. فالصراع في المنطقة قائم بين توجهين وخيارين. لكن الفرق بين الزيارتين، ان فيلتمان يقدم نظريات وتحليلات ويعرض لمواقف بلاده من التطورات، ويستمع الى وجهات نظر متعددة من ضمن الفريق الواحد. وفي اقصى الحالات، يتمنى ويقترح. اما ايران، فلها ذراع عسكرية في لبنان. ولا يمكن لاحد ان يحدد ويعرف بدقة حجم تقديماتها العسكرية والمالية ودعمها اللوجستي. لها حساباتها ومصالحها، ويمكنها ان تجد السبيل لترجمتها عبر «حزب الله» وسلاحه. اما نحن، فان تقاطعت رؤية فيلتمان ونظرياته مع رؤيتنا، فاننا نعبر عن ذلك ببيان او موقف او لقاء سياسي».

لا يُقنع هذا الكلام «8 آذار». ويعتبر مسؤول في هذا الفريق ان «الولايات المتحدة تتدخل في تفاصيل الحياة السياسية في لبنان. ومن يشك في ذلك فليعد الى وثائق «ويكيليكس». وان فيلتمان جاء باملاءات واضحة ابرزها تضييق الخناق على «حزب الله» واحتضان اللاجئين السوريين من دون السؤال عن خلفياتهم السياسية والعسكرية. وقد حرص على التشديد على وجوب ان تربح «14 آذار» الانتخابات النيابية مهما كان الثمن. وهو يعمق الخلافات بين اللبنانيين وخوفهم من بعضهم عبر سياسة ممنهجة لادارته. وفي خلفية كل ذلك تحضر المصالح الاميركية وصراعاتها على النفوذ والتحكم بالعالم كما تحضر مصالحها الاقتصادية والمالية فقط».

يكرر السياسي المخضرم قناعته بأن «اللبنانيين يعرفون جيدا ان الفريقين الاميركي والايراني يستخدمانهم لتحقيق مصالحهم. لكن التذاكي اللبناني يجعلهم يعتقدون انهم يتشاطرون على حلفائهم الخارجيين ويستقوون بهم على شركائهم في الوطن. وهذا ما دفعوا ثمنه مرارا وتكرارا. لكن الظروف اليوم لا تسمح بمثل هذا التذاكي والتشاطر. فالبلد على شفير الانهيار على كل المستويات في ظرف اقليمي دقيق ووضع سوري خطير يهدد البلد. لذا لا بد من العودة الى المربع الاول».

بالنسبة للسياسي نفسه الذي يضع نفسه على مسافة واحدة من فريقي 8 و14 آذار، فان هذا المربع «يعني حكما تعريب الشان اللبناني بالمعنى الايجابي. فبين الاميركي والايراني لا يوجد شيء في الوسط. ليس من يهتم فعلا في الحفاظ على استقرار البلد. ابدى المسؤولان الزائران اهتمامهما بالاستقرار نظريا، لكن كيف يصرف هذا الاهتمام؟ هل بالوعود والكلام يمكن حماية الاستقرار؟ ام بدعم الدولة والمؤسسات؟ ومن يدعم مؤسسات الدولة؟ الايراني ام الاميركي؟ لا احد منهما. كل يدعم فريقه ويحرّضه على الآخر وعلى الامساك بالبلد ليتمكنا من خلالهما من ممارسة نفوذهما والضغط باتجاه تحقيق مصالحهما. فهل هذا ما يريده اللبنانيون؟ الا يعرفون مقدار الثمن الباهظ الذي قد يدفعوه من استقرار بلدهم على كل المستويات؟». ويختم السياسي كلامه كما استهله «حمى الله لبنان لأن ما ينتظره خطير».