بداية تحوّل في الموقف الأميركي – جورج علم – الجمهورية



التاسع من كانون الأول 2011، بدأ رئيس الجمهوريّة العماد ميشال سليمان زيارة رسميّة الى جمهوريّة أرمينيا من دون أن يتمكّن من لقاء مساعد وزيرة الخارجيّة الأميركيّة السفير جيفري فيلتمان. ترددّ يومها عن وجود خلل بروتوكولي، ذلك ان السفير فيلتمان تعوّد، أو عوّدناه، على أن يقابل من يشاء، ساعة يشاء، وفي المكان الذي يشاء، وحاولت يومها السفارة الأميركيّة الاتصال بالقصر الجمهوري لتحديد موعد فوري ومباشر، وجاء الردّ معلّلا بالاعتذار، ما يوحي بأن المواعيد الرئاسيّة لا تعطى فوراً إلّا في حالة الضرورة القصوى. وقيل يومها أيضا إنّ القصر الجمهوري شاء أن يردّ على "التحيّة الأميركيّة" بأفضل منها، وعلى قاعدة أن رئيس الجمهوريّة، وخلال زيارته نيويورك في أيلول 2011، وترؤسه وفد لبنان الى اجتماعات الدورة العاديّة للجمعيّة العامة للأمم المتحدة، كان من المفترض ان يلتقي وزيرة الخارجيّة هيلاري كلينتون، وبناء على موعد سابق، إلّا أن اللقاء لم يحصل، وأعطى الجانب الأميركي تبريرات في حينه، إلّا أن مصادر في الوفد اللبناني وَصفت تلك التبريرات بـ"غير المقنعة".




اليوم، نحن أمام أداء جديد، يؤسّس ربما لمرحلة جديدة، من ملامحها أنّ السيدة كلينتون أمسكت بسمّاعة الهاتف، وبادرت الى الاتصال برئيس الجمهورية يوم الأحد الماضي، وأبلغته أنّ مساعدها سيزور بيروت، شارحة له طبيعة المهمّة، ومنوّهة بالخطاب الذي ألقاه أمام القمة العربيّة في بغداد، والذي عالج فيه موضوع الأقليات في زمن الربيع العربي، وضرورة قيام أنظمة ديموقراطيّة فعلية تحترم المواطنة.

عوّدتنا الإدارة الأميركيّة منذ عهد جورج دبليو بوش، الى عهد باراك أوباما، على تجاهل مقام الرئاسة الأولى، إلّا في المناسبات البروتوكوليّة او الاستثنائيّة، وحَصر تعاطيها مع رؤساء الحكومات، ليس إيماناً منها بالطائف، او تطبيقاً له، بل لأنّ مثل هذه السياسة ترضي بعض أمراء النفط والمال في الخليج، وتبقى مصلحة الدولار عندها فوق أي اعتبار آخر. لقد ترك هذا الأسلوب الكثير من التداعيات في بلد تتفاعل فيه الحساسيات الطائفيّة والمذهبيّة على نحو غير مسبوق، إلّا أنّ لبنان الرسمي لم يحرّك ساكناً طالما انّ التعاطي الأميركي يتمّ مع الحكومة اللبنانيّة التي يرأس رئيس الجمهوريّة اجتماعاتها الوزارية، ساعة يشاء.

وحصل استهداف المسيحييّن في العراق في ظلّ الدبابة الأميركيّة، الأمر الذي وسّع من دائرة الشك، الى حدّ أن الفاتيكان قد طرح في حينه، الكثير من التساؤلات التي بقيت من دون أجوبة. وهَبّت رياح الربيع العربي، وهبّت معها الأصوليات، ومعها الهواجس حول مصير الأقليات ومستقبلها. وعندما وصلت الى سوريا تضاعفت الهواجس، الى حدّ أنّ مواقف البطريرك مار بشارة بطرس الراعي قد أثارت اعتراضات كثيرين، وعندما قام بزيارته الرعويّة الى الولايات المتحدة الأميركية، لم يحصل أي لقاء مع الرئيس أوباما، ولا مع أي مسؤول بارز آخر في إدارته، وكانت النتيجة تجاهل للرئيس، وتجاهل للبطريرك، ما يعني تفاقم الأسئلة على نحو غير مسبوق.

وفي ذكرى عيد الفصح الغربي، وخلال ترؤسه القداس الاحتفالي بحضور رئيس الجمهوريّة العماد ميشال سليمان، أعلن البطريرك الراعي على الملأ نبأ زيارة قداسة البابا بينيديكتوس السادس عشر الى لبنان في أيلول المقبل، وجاء هذا الإعلان متزامناً مع تصريح منسوب الى قداسته، وفيه يقول: "آن الأوان لإعادة النظر بالفِكر القمعي الأميركي".
أن يَصدر مثل هذا الموقف ضدّ الإدارة الأميركيّة، وفي سنة الانتخابات الرئاسيّة، لَسابقة بالغة الخطورة، وتنمّ عن أزمة فعليّة تستحكم في العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكيّة والإدارة الأميركيّة، بعض أسبابها ودوافعها ينبع من واقع المسيحيين في الشرق، ومصيرهم ومستقبلهم في زمن الربيع العربي والأصوليات التي يحملها الى الحكم.

إنها أزمة اعتبار بين الإدارة الأميركيّة ورئيس الجمهورية، المسيحي الوحيد بين 22 ملكا وأميرا ورئيسا عربيا مسلما، تستحق التأمّل والاهتمام. إنها أزمة اعتبار بين الإدارة الأميركيّة والكنيسة أفضَت الى هذا الموقف الحاد الصادِر عن الفاتيكان ضدّ "الفكر الأميركي القمعي"، وهي تدعو الى الاهتمام والمتابعة، لأنّ ما بين ضفّتي الأزمتين ولدت زيارة الحبر الأعظم الى لبنان في أيلول المقبل، حاملاً معه الإرشاد الرسولي الخاص بمسيحيي الشرق. إنها زيارة تعني الكثير للإدارة الأميركيّة، كونها تأتي قبل الاستحقاق الرئاسي في تشرين الثاني المقبل. وأوّل ما تعنيه، وجود خلفيات دفعت بالوزيرة كلينتون الى الاتصال بالرئيس سليمان بعد طول تجاهل، والإشادة بخطابه أمام قمّة بغداد، بعد مرور شهرين على انعقادها؟!.