الاستقرار اللبناني بين فيلتمان ورحيمي – وليد شقير – الحياة


يمارس الجانبان الإيراني والأميركي عملية تبادل الضغوط على التركيبة الحاكمة في لبنان التي نشأت بعد فرط ما سمي باتفاق «س.س» أي السعودية وسورية قبل سنة وخمسة أشهر. وهي ضغوط ينتظر أن تستمر وتتزايد مع استمرار الأزمة السورية وتصاعدها. لكنها ضغوط تتم تحت سقف مصلحة كل من الدولتين بالحفاظ على حد أدنى من الاستقرار اللبناني، حتى إشعار آخر، لانشغالهما بما هو أهم على الصعيد الإقليمي، لا سيما التطورات الدموية في سورية، والمفاوضات بين الدول الكبرى وبين إيران حول ملفها النووي.




تحتاج واشنطن الى ضمان عدم إطباق طهران كلياً على القرار اللبناني. وتحتاج طهران الى تأكيد استمرار امتلاكها الورقة اللبنانية بعد الإنجاز الذي حققته بإقالة حكومة الرئيس سعد الحريري تحت عنوان: «الحفاظ على المقاومة قوية أهم من الوحدة الوطنية اللبنانية». (وهو تعبير استخدمه الإيرانيون في كانون الثاني/ يناير 2011).

تمكنت واشنطن وهي تمارس سياسة الانسحاب من العراق من أن تحد من خسائرها في لبنان من طريق ضغوطها على حكومة الرئيس نجيب ميقاتي حين اشترطت مع دول الغرب الأخرى تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والتمديد للمحكمة، وعدم تسليم مقاليد السلطة ومفاتيحها لحلفاء إيران وسورية، في عدد من المؤسسات، وحين ضغطت من أجل التزام لبنان العقوبات على إيران وسورية ومن أجل السماح بإيواء النازحين السوريين واتخاذ لبنان الرسمي مواقف النأي بالنفس عن الأزمة السورية، بدل الوقوف المطلق مع النظام السوري.

أما طهران فقد استطاعت، مع حلفائها اللبنانيين، أن تحافظ على غطاء سياسي – طائفي للحكومة، وعلى إبعاد فريق أساسي عن التركيبة الحاكمة، عبر بقاء حكومة ميقاتي، في شكل يسمح لهؤلاء الحلفاء بأن يعززوا نفوذهم في مؤسسات الدولة اللبنانية السياسية والإدارية والأمنية، وفي الوزارات والدوائر التي لم تواجههم فيها عقبات أو عراقيل سواء لتقديم الخدمات ذات الأهداف الانتخابية، أم لتعزيز نفوذ «حزب الله» على الأرض… وساعد في ذلك الغياب السعودي الكامل عن لبنان بعد فرط معادلة «س.س».

ما الجديد في التزاحم الأميركي – الإيراني لمناسبة زيارة كل من نائب الرئيس الإيراني محمد رضا رحيمي، ومساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان لبنان؟

لا يختلف تزامن الزيارتين عن سياق تبادل الضغوط في المرحلة السابقة، لكن الجانبين يتحركان في إطار يشهد تبدلات ولو غير حاسمة في الواقع الإقليمي، تفرض على كل منهما، في لبنان، تنبهاً الى دوره وموقعه، وما من شك في أن ما آلت إليه الأزمة السورية المرشحة للامتداد الزمني يدخل عنصراً في حسابات كل منهما.

وإذا كانت واشنطن تأمل من عقوباتها ودول الاتحاد الأوروبي واليابان وكندا وأستراليا، على إيران وسورية نتائج لمصلحة سياستها ضد النظامين فيهما، فإن من الطبيعي أن تسعى دمشق، ومعها طهران، الى محاولة اعتماد لبنان ميداناً للالتفاف على هذه العقوبات، بوجود حلفاء أقوياء لها يمسكون بزمام السلطة. بل إن دول الغرب رصدت حصول عمليات التفاف حصلت بأساليب، يختلط فيها الخاص بالعام.

ضغطت واشنطن خلال الشهرين الماضيين على المعادلة القائمة في لبنان لجهة وجوب الالتزام بالعقوبات وأوفدت لهذا الغرض نائب وزير الخارجية للاستخبارات المالية والإرهاب ديفيد كوهين وألحّت مع الاتحاد الأوروبي على حماية النازحين السوريين في لبنان.

وضغط حلفاء طهران ودمشق على فريق من المعادلة القائمة في لبنان كي يكف عن مراعاة الغرب (ميقاتي مثلاً) ومطالبه في خصوص الأزمة السورية وأبلغوا من يعنيهم الأمر نوعاً من التحذيرات. وليست الحملة على كل من رئيسي الجمهورية ميشال سليمان والحكومة نجيب ميقاتي، والى حد ما، على رئيس «جبهة النضال الوطني» النيابية وليد جنبلاط، من قبل هؤلاء الحلفاء بعيدة من هذا الضغط الإقليمي، ولو في ظل «تضخيم» الخلاف على رفع سقف الإنفاق، والتعيينات الإدارية، وقانون الانتخاب وتأهيل قطاع الكهرباء، وتحت عناوين «محلية»… ويقال ان هذا الضغط أدى غرضه مع البعض ولم ينجح مع البعض الآخر.

وفي الإطار الإقليمي أيضاً، يشكل لبنان منبراً لطهران، وهي تظهر ليونة في التفاوض على ملفها النووي، والإيجابية المتبادلة بينها وبين دول الغرب، كي تبعث بالرسائل الى من يعنيهم الأمر أن هذه الليونة يقابلها تمسك بأوراقها الإقليمية كافة، إذا كان الهدف الأميركي إضعافها لأهداف تفاوضية. وليس الحضور الإيراني القوي في بيروت معزولاً، في هذا السياق، عن تشددها حيال دول مجلس التعاون الخليجي في مسألة الجزر الثلاث، وتمسكها بالتركيبة الحاكمة في العراق، وصولاً الى اقتراح رحيمي التمهيد للوحدة الكاملة بين البلدين قبل 10 أيام… فالرسالة التي تريدها ايران من لبنان أنها لن تسمح باستضعافها إذا كانت الورقة السورية المحسوبة في خانتها ضعفت أو تعطلت جراء الاستنزاف الذي يصيب حليفها هناك على رغم بقائه في السلطة…