عودة جيفري… كنعان – جان عزيز – الأخبار


تعجز الكلمات عن وصف هذه الظاهرة الفريدة، المتمثلة في عودة جيفري فيلتمان إلى بيروت. بسمته ذاتها. وضحكاتهم نفسها حتى القهقهات. سابقة بشرية لم تعرفها علاقة تحكُّم عن بعد، بين سيد وعبد من قبل. غازي كنعان كان في الموقع نفسه. بل كان قد تسيَّد عليهم أكثر. وكانوا قد استعبدوا له ولمن بعده أكثر. غير أنهم انقلبوا عليه سريعاً لحظة سقوطه. فور رحيله عن عنجر في ذلك الصقيع الكانوني من عام 2002، وعندما تأكدوا أن الأمر تنحية لا ترقية، سارعوا إلى التباري في شتمه والمزايدة في رواية فظائعه، ليكرروا الأمر نفسه مع الخلف. بل أكثر. أحدهم وقف يرش الأرز والزهر على سيارته المغادرة صوب جديدة يابوس في 26 نيسان 2005، هو نفسه ــ كما كثيرين مثله ــ صاروا بعد رحيله أبطالاً وثواراً ومقاومين ومحررين. شمتوا به وبلقبه وبشعبه ودولته. حتى توعّدوا نظامه بملاحقته حتى إدلب وجبل الزاوية.





جيفري كنعان، أو فيلتمان، نموذج آخر. جاء مع القرار 1559. في توقيت كأنه معجزة. بعين ضعيفة وسحنة «بوكرية» وإدراك سابر لحقيقة سياسيينا، حتى لاوعيهم والسرائر. منذ اللحظة الأولى أدرك حاجتهم بدايةً إلى تغيير اسمه. هي عادتهم التاريخية في التخفيف نفسياً من عبوديتهم الطوعية.

يصير اسم الدلع نوعاً من علاج سيكولوجي لكبت الذل الإرادي والهوان المستحب. لم يعرفوا اسم ولده البكر ليكنّوه بـ«أبو فلان». فسهَّل عليهم المهمة: جف. ولأن طبعهم العبودي بات راسخاً في كليشيه الكلمتين، أضافوا إليها مفردة «العزيز» بالإنكليزية. صار «دير جف» كل ما يحتاجون إليه ويكفيه لمهمته.


بعد الاسم، كان عليه تدبير طريقة التواصل. مع سيد عنجر كانت الوسيلة بدائية. استدعاءات وصراخ وأحياناً شتائم. معه كانت نقلة نوعية: الرسائل النصية القصيرة عبر الهواتف الخلوية. كأنها هوايته المفضّلة. يوزع التعليمات والتعليقات والإملاءات وحتى النكات عبرها. يروي أحد السياسيين أنه في يوم واحد تلقّى منه 38 رسالة. مع أن كل «حوارييه» كانوا يتساءلون عن سر اعتماده تلك الطريقة المكشوفة أمنياً. حتى إنهم كانوا بداية يترددون في الإجابة بالطريقة نفسها بشكل مريح. لاحظ سريعاً أن أجوبتهم متحفّظة مقارنة بلغته الصريحة والفجة. فصارحوه بمخاوفهم من انكشاف كلامهم لدى كل الجهات المعنية بالتخابر الخلوي، داخل لبنان وخارجه. لكنه طمأنهم، واستمر باعتماد الوسيلة نفسها. بعد الضجة التي أثيرت حول من اشتّبه في أنهم عملاء لاستخبارات خارجية ضمن قطاع الخلوي اللبناني، بعض السياسيين اعتراه خوف كبير: ماذا لو كانوا يسرّبون مضمون كل تلك الرسائل المتبادلة بيننا وبينه؟؟ قلة منهم اطمأنت: الآن فهمنا لماذا كانت ثقته كاملة بالخلوي، رغم كل ثغره…


لكن الاختصار حتى الاقتضاب والاكتفاء بأحرف جهازه الخلوي السليط، لم يكونا إلا حكراً على أسلوب تخاطبه مع من هم «تحت»، فيما التخاطب مع من هم «فوق» معاكس تماماً. هناك يصير التفصيل والتطويل والإسهاب. في وثائق ويكيليكس اكتشف «حواريوه» كم كان بخيلاً في حقّهم. يخاطبهم بعدد محدود من الأحرف، فيما يكتب عنهم ما معدّله اليومي ثلاثة آلاف كلمة. أدركوا كم كان يزدريهم. يحاكيهم مقلّاً، مقنّناً مقتّراً، فيما يحكي عنهم مطوّلات، بكل تفصيل مملّ وهامش سخيف وشاردة وواردة. في تحليل نفسي من نحو ستة آلاف كلمة عن سعد الدين الحريري، لم يفته نوع النبيذ الذي يخزّنه الثري الوريث بعلب الدزينات على طائرته الخاصة، فيما يحظره على كل من يحضر مآدبه العامة. في أحد تقاريره عن سمير جعجع، حرص على نقل «وصفه» لبعض حلفائه بالسعادين، قبل نقل مضمون الموقف منهم. وفي لقاءاته مع الياس المر، كان يطلب من مساعديه التدقيق في صحة كل حرف يقوله له صاحب الصدقية الكبيرة لديهم. مرة قال له المر: هذه أول مرة أحضر إلى مكتبي بعد محاولة اغتيالي. وعند مغادرته طلب فيلتمان سؤال سكرتيرة المر عن الأمر، فأجابت بأنه استأنف حضوره إلى مكتبه منذ مدة طويلة… أحد السياسيين الذين واكبوه طيلة وجوده في بيروت، تلقّى منه اتصالاً هاتفياً ذات يوم، قال له بلهجة حازمة آمرة: عليك أن تفعل كذا وكذا… سكت اللبناني بعض الوقت، قبل أن يجيبه: دير جف، عليك أن تنتبه. صرت تشبه شخصاً كرهناه حتى الموت…


يظل كل ذلك ملك «العزيز جفري كنعان» وحوارييه. ما يهم اللبنانيين أن هؤلاء معاً، ومعهم إيمييه هنا، وغوردو مونتانيو من باريس، ورايس من واشنطن، ودبلوماسي إيراني ما من طهران… بالتكافل والتضامن، بتسيُّده عليهم وعبوديتهم له، أضاعوا أثمن فرصة في تاريخنا لاستعادة البلد، وبناء الوطن، وقيام الدولة. فبعد نضال طويل مرير ــ لم يشاركوا فيه لحظة ــ ضد وصاية قاربت الاحتلال، استساغوا استنساخها، ففوّتوا فرصة لن تعود أبداً، فيما ها هو جيفري يعود…