//Put this in the section

خطّةٌ لإخراج 14 آذار من الحياة السياسية بعد السلطة


"الجمهورية":"14 آذار" مصابة بالإحراج. إنّها تبحث عن مخرج لتقول لا للحوار المقترح، من دون أن تُعرِّض نفسها لتهمة التعطيل. فهناك على الكوع مَن ينتظر منها هذه الـ"لا" ليوجّه إليها الضربة.




"ضربة معلّم" كانت الدعوة إلى الحوار في هذه الظروف. وليس رئيس الجمهورية هو الذي سدّد هذه الضربة، لأنّ الفكرة لم تنطلق من بعبدا. ولا الملك السعودي طبعاً، لأنّ الرياض تلقّفتها تحت ضغط الحاجة الطارئة إلى إطفاء الفتنة، والتنبّه إلى استهداف طائفة أساسية من النسيج الاجتماعي اللبناني، كما أورد الملك عبدالله في رسالته إلى الرئيس ميشال سليمان.

الحوار، كما هو منتظَر، هو ضربة مُحْكمَة يسدّدها فريق 8 آذار. فالمطلوب إخراج 14 آذار من الحياة السياسية، بعدما تمّ إخراجها من السلطة. وهكذا يُصبح هذا الفريق شبيهاً بالفريق المسيحي المناوئ لسوريا خلال مرحلة الوصاية: لا حضور له في السلطة ولا الممارسة السياسية ولا المؤسّسات والأجهزة. إنّه الظرف المناسب داخليّاً قبل عام على الانتخابات النيابية، وإقليميّاً على وقع التطوّرات السوريّة.

سيناريو الأمن في خدمة السياسة

والسيناريو الذي جرى اعتماده لفرض الحوار هو إيّاه الذي تمّت تجربته في محطات سابقة، وهو الآتي: يتمّ خلقُ أجواء من القلق والتوتّر تقارب اندلاع الفتنة. وتحت ضغط الخوف، يجري تسويق المبادرات ويتحرّك الوسطاء. وينطلق الحوار في ظلّ هيمنة السلاح… ليناقش مسألة السلاح عينه، فلا يصل إلى نتيجة، بل يُكرّس الوقائع السياسية والأمنية التي أوجدها هذا السلاح، ويمهّد لوقائع أخرى أكبر منها. فحوار الدوحة كان ثمرة الوقائع التي أفرزتها عملية 7 أيّار 2008، وما أنتجه هذا الحوار كان مدخلاً للانقلاب الذي أدّى إلى خروج 14 آذار من السلطة. واليوم، مطلوب من الحوار إخراج 14 آذار من الحياة السياسية. إنّها سياسة الخطوة خطوة.

واليوم، يجرى تمرير السيناريو الآتي:

يتصرّف النظام في سوريا على قاعدة أنّه تجاوز خطر الإسقاط، وأنّ هناك تسوية تقترب بينه وبين القوى الغربية، يستعيد خلالها دوره في مواجهة الإرهاب السلفي. وهو يطمح إلى أن يشمل لبنان مجدّداً بهذا الدور الذي تخلّى عنه قسراً بانسحابه العسكري في نيسان 2005. ولذلك، بادر إلى إشعال "ميني فتنة" في الشمال، كادت تمتدّ إلى بيروت ومناطق أخرى لو لم يتدخّل الوسطاء ويتمّ التفاهم على الحوار.

وهذا الحوار ينتظر منه حلفاء دمشق أن يمرّ عابراً على ملف السلاح والاستراتيجية الدفاعية، الذي وضعه الرئيس سليمان بنداً أوّلاً في كتاب الدعوة إلى الحوار، لينتقل إلى إنهاء السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات ومعالجته في داخلها، وهذا البند منجزٌ في جلسات الحوار السابقة. لكنّ جدّية الحوار المنتظرة هي حصراً في ملف السلاح الآخر، أي سلاح المدن وخارجها، أي ذلك الذي تعمّدت المواجهات الأخيرة إظهاره. وعلى الأقل، سيؤدّي الغرق في هذا الملف إلى إشاحة النظر عن ملف السلاح الأساسي. وهو لن يشمل السلاح الذي اجتاح بيروت أو يهدّد دائماً باجتياحها، لأنّه لا يندرج في خانة الممنوعات. فالأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله أشار أخيراً إلى ضرورة تنظيم فوضى السلاح، في مقابل تأكيده أنّ سلاح الحزب مرتبط استراتيجيّاً بحماية لبنان.

الحوار "ضربة معلّم"

لماذا ضربة معلّم؟ لأنّ فريق 14 آذار إذا شارك في الحوار فسيرضخ للمسرحية إيّاها ويباركها ويلتزم نتائجها، خصوصاً أنّه الأضعف خارج السلطة. أمّا إذا لم يشارك، فسيعلن خصومه أنّه يتحمّل المسؤولية عن اندلاع الفتنة. وقد يمارس هؤلاء ضغوطاً جديدة على الأرض لإثبات هذه النظرية وتأليب الرأي العام الداخلي والعربي ضدّ 14 آذار. وإذا ما انقسم أركان 14 آذار بين موافق "الكتائب" ورافض أو متحفّظ "القوات اللبنانية" و"المستقبل"، فإنّ فريق 8 آذار يكون قد حقّق هدفاً بزرع مزيد من التباين بين "الكتائب" وسائر مكوّنات 14 آذار. ويخدم هذا الانطباع الصورة التي يسعى إليها حلفاء دمشق، والقائلة إنّ "القوات اللبنانية" تكاد تكون الطرف المسيحي الوحيد الذي يلتزم خط 14 آذار من دون تحفّظ.

وفي منظور فريق 8 آذار، سيكون الحوار، إذا ما انطلقت جلساته في الموعد الذي دعا إليه سليمان، فرصة مهمّة لهذا الفريق ليضبط عملية التحضير للانتخابات النيابية وفق ما يناسبه، قبل عام على موعدها المفترض، وفي ظلّ حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي لم يستطع تبديلها بأخرى أكثر ولاءً له.

المقاومون… والمساومون!

كيف ستتصدّى 14 آذار لهذه الضربة التي تستهدفها في الظرف الحاسم لنزع المزيد من الأوراق التي تمتلكها، ولمحاولة شرذمة صفوفها؟

مصدر بارز في 14 آذار يقول: "تعلّم الفريق من التجارب أنّ تقديم التنازلات ليس هو السبيل إلى تنفيس الاحتقان، وأنّ الحوار الذي يريده بعضهم يستهدف كسب الوقت ويؤسّس لمأزق جديد وتنازل جديد. وفي أيّ حال، لم تكن ثورة الأرز لتحقّق إنجازاتها لو كان رجالاتها قد اختاروا طريق المساومات على مدى سنوات. والسياسيّون ليسوا جميعاً متشابهين كما يُخيّل للبعض. فهناك مَن قدَّم شهادته دفاعاً عن لبنان كالرئيس بشير الجميّل وكمال جنبلاط والرئيس رفيق الحريري وسائر شهداء ثورة الأرز، فيما كان آخرون يساومون. وهناك مَن لم يتنازل على رغم التنكيل و11 عاماً من السجن كالدكتور سمير جعجع، فيما عاد البعض الآخر من المنفى الباريسي الفخم على جناح المساومة".

من هنا، ستتصدّى 14 آذار لمحاولات أخذها على حين غفلة. والحوار الذي تريده هو ذلك المبني على الفكرة التي يريدها رئيس الجمهورية والملك السعودي. لكنّه عمليّاً سيكون نقيض ذلك. وفي انتظار أن تحدّد 14 آذار ردّها الواضح على الدعوة إلى الحوار، تؤكّد مصادرها أنّها لن تساوم مجدّداً ولن تُلدَغَ من الجُحْر مرّة جديدة. فالمؤمن لا يُلدَغ مرّتين… فكيف إذا كان جسدها منخوراً بالكثير الكثير من اللدغات؟!