الجيوش والسياسة والأزمـة السـوريـة – سليمان تقي الدين – السفير


التقى الموقف الأميركي والروسي عند تماسك الجيش السوري ودوره في الأزمة والحل. شكّلت الجيوش العربية العمود الفقري للدولة والسلطة معاً. في التجارب الحزبية وغير الحزبية كانت الجيوش هي المؤسسة الأولى التي جرى الاعتماد عليها في ضبط المجتمع وتنظيمه وأعطيت موارد اقتصادية خاصة وتولّت تسيير بعض المرافق والإدارات المدنية، وفي مصر والعراق إلى حد ما شاركت في عملية الإنتاج لا سيما في القطاع الحربي.





خلال موجة التغيير الراهنة لعبت المؤسسة العسكرية الدور الأساس في إخراج العملية السياسية، في تونس ومصر وليبيا واليمن. في الغالب لم تظهر الجيوش جموحاً في استلام السلطة المباشرة ولو أنها ما زالت الأداة الأساسية لهذه السلطة باستثناء العراق وليبيا. الأول لأن الاحتلال الأميركي قصد ضرب المؤسسة العسكرية فكان قراره الأول حلها. الثاني لأن الزعيم الليبي شكّل كتائب خاصة لتعطيل احتمالات الانقلاب عليه. في العراق أراد الأميركيون تفكيك الدولة وإعادة صياغتها، وفي ليبيا استخدم الأميركيون جزءاً من الكتائب العسكرية الموالية لهم وهم يشرفون على إعادة تكوين المؤسسات والسلطات. وفي اليمن حرص الأميركيون على عدم تفكّك المؤسسة العسكرية ولو أنهم استخدموا بعض الانشقاقات والتوازنات لمصلحة الحل السياسي الذي أخرجوه من داخل النظام نفسه.


في سوريا سعى الأميركيون إلى تكوين الثنائية نفسها، الجيش والحركات الإسلامية. واجهوا عقدتين: تماسك الجيش وولاءه والنفوذ الروسي الإيراني فيه لا سيما على القطاعات الاستراتيجية، وضعف الحركات الإسلامية تكويناً وتنظيماً ونفوذاً وقيادة. وهم لا يريدون الفوضى التي قد تهدد أمن إسرائيل فيديرون الأزمة في اتجاهين: استنزاف النظام سياسياً واقتصادياً وأمنياً وتجويف التماسك السياسي السوري عموماً والاحتفاظ بالدور الإنقاذي للمؤسسة العسكرية في نهاية المطاف. عملياً تتجه سوريا الآن ليكون فيها طرفان مقرّران هما المؤسسة العسكرية والمعارضة المسلحة التي تحتضنها التيارات والحركات الإسلامية على اختلافها.


يمكن الحديث عن قوة الجيش الآن وليس عن قوة النظام السياسي. النظام لا يسيطر على جميع الأرض السورية ولا بمقدوره إعادة الإمساك بهذه الأرض وهو قدّم سلفاً جملة تنازلات بالتخلي عن الحزب الحاكم وقبول التعددية الحزبية ونظام جديد للانتخابات والإعلام وتعديلات دستورية برغم أنها غير جوهرية في توزيع السلطة ذات دلالة سياسية. وبعد عام من المحاولات المتكررة للحسم العسكري انتهى الأمر إلى الاعتراف بسلطة المسلحين ودورهم ونفوذهم من خلال مراقبي وقف إطلاق النار.


لجم الموقف الروسي الاندفاعة الغربية وحلفاءها الإقليميين عن خطة التصعيد في التدخل العسكري لكن ما يُحكى عن تسوية تضمنتها النقاط الست التي يشرف عليها كوفي أنان لم تنضج شروطها بعد على مستوى الأزمة الداخلية. تقاطع الموقف الأميركي الروسي عند الحفاظ على المؤسسة العسكرية وعدم الذهاب في اتجاه تفكيك الدولة السورية ما يحفظ مصالح الطرفين الأمنية، أمن إسرائيل بالنسبة لأميركا وأمن روسيا الآسيوي وسلاحها الذي هو السلاح شبه الوحيد في الجيش السوري.


لكن رغم ذلك ليس من دليل واحد على أن الأميركيين والغرب والأتراك وحلفاءهم العرب قد انعطفوا باتجاه تكريس شرعية النظام السياسي. ولا الروس اعترفوا بشرعية المعارضة الداخلية التي يكرّرون اتهامها بالإرهاب المسلح المدعوم خارجياً ولا هم رغم جهودهم يستطيعون إنتاج حلّ سياسي مع المعارضة السلمية وحدها.


يعني ذلك أحد أمرين أو الأمرين معاً: تعليق الأزمة بانتظار الانتخابات الرئاسية الأميركية، أو بانتظار نتائج التفاوض في الملف الإقليمي ولا سيما الإيراني والنفطي وتوازنات النظام الإقليمي الجديد. لكن خلال ذلك لا يتوقف تزويد المعارضة المسلحة بأسلحة دفاعية ولا ينفك التوافق على الاحتفاظ بوحدة الجيش. هذا الوضع يشجع بعض الأطراف الفاعلين بالدرجة الثانية أو الثالثة على تصورات متعددة الاتجاهات كالتبسيط في معنى بقاء النظام أو في احتمالات تقسيم سوريا أو في العمل على تحسين مواقع الأطراف حتى اللحظة الحاسمة من الحل الدولي.


بهذا المنطق دارت الأزمة اللبنانية سنوات طويلة حتى صارت حرباً عبثية حتى بنظر جميع أطرافها في الداخل. فحيث يحصل كل هذا التداخل بين المشكلات المحلية والإقليمية والدولية، وحيث يتجذر العنف ويتوسع ويستنفر عصبيات دينية ومذهبية تبدو كل الاحتمالات مفتوحة، لكن الذي سيرجح هو العامل الدولي إزاء ضعف المؤثرات الداخلية. حتى الآن في كل المشهد العربي وتجاربه المتنوعة هناك التزاوج بين استنقاذ ركائز الأنظمة من خلال الجيوش وإحاطتها بالحركات الإسلامية التي تعطيها الشرعية الشعبية. وهناك صياغة جديدة لهذه الأنظمة تجنح إلى الاعتراف بالتعددية الطائفية والسياسية على أنها جزء من العملية الديموقراطية. وهناك تكريس للأنظمة الاقتصادية بمشكلاتها وتدوير للتناقضات الإقليمية واحتواؤها. هكذا يتعامل النظام الدولي مع الصراع بين إيران ودول الخليج العربي، وبين إيران وإسرائيل وكذلك مع العرب.


ونكاد نشهد ما يشبه المرحلة الانتقالية التي أعقبت نشوء الكيان الصهيوني وتداعيات ذلك في العالم العربي من خضات وانقلابات وصعود تيارات سياسية. ويبدو أن الشعوب العربية في سعيها للتغيير ما زالت لا تملك الأدوات الجذرية من رؤية سياسية وبرنامجية ومن مؤسسات شعبية قادرة على صياغة مشروع عربي متكامل، للتحرير والاستقلال والتنمية والوحدة والديموقراطية. صادرت الجيوش من قبل ومعها الأحزاب القومية السلطة فعطّلت إمكانات التطور الطبيعي للثقافة السياسية العربية ونشهد محاولات لمصادرة هذه المرحلة الانتقالية من خلال حركات الإسلام السياسي الذي يعد بمشكلات أكثر مما يعد بحلول.


لكن المهم من كل ذلك أننا في زمن تغيير عربي برغم تعثره مرّة بقواه المحلية ومرّة بالمداخلات الخارجية، إلا أن محاولة القوى السياسية والقوى الدولية تعليق بعض المشكلات التي تتصل بخطط التنمية أو كبح عملية التطوير الديموقراطي أو مصادرة حق العرب في العمل على التعاون والتضامن والتكامل وطبعاً في حلّ المسألة الفلسطينية، لن يلغي هذه المشكلات بل يستأخرها فقط.