هل قانون النسبية مناسب لإجراء الانتخابات النيابية المقبلة في ظل هيمنة السلاح وتعميم ثقافة التحريض المذهبي..؟؟ – حسان القطب

الهدف من تطبيق قانون النسبية هو تحقيق توازن موضوعي بين القوى الحزبية المتنافسة في أي انتخابات تشريعية أو بلدية تجري في أي دولة من دول العالم، خاصةً عندما تكون الأحزاب منتشرة على مساحة الوطن والكيان وتتقدم للانتخابات بناءً على مشروعها السياسي والاقتصادي ورؤيتها للإصلاح المالي وتصورها للخدمة الاجتماعية وبرنامج علاقاتها الدولية والأسس التي تبني عليها علاقاتها الخارجية مع دول الجوار أو المحاور الإقليمية والدولية.. والتمثيل النسبي يلغي حصرية التمثيل السياسي بفريق سياسي واحد بعينه فيعطي هذا القانون كل قوة سياسية تمثيلاً نسبياً يتناسب مع حجمها الحقيقي الذي أفرزته صناديق الاقتراع بحيث يكون مطابقاً للنسبة المئوية من التصويت التي حصل عليها كل فريق وحزب..وبالتالي لا يكون هناك أي تهميش لأي فريق مهما كان حجمه التمثيلي الذي أقره القانون..


لكن تطبيق هذا القانون يفترض أن يكون مجتمعنا قد تخلى عن الالتحاق بالزعامات المحلية والالتحاق بأحزاب وطنية ووصل به الحال إلى مرحلة من النضج السياسي والاجتماعي وحتى العقائدي في وطن متعدد الأديان والطوائف والمذاهب، والرغبة الحقيقية على الاندماج في مشروع الوطن والحفاظ على الكيان وهضم مفاهيم ومبادئ احترام الرأي والرأي الآخر، وتعلم أصول الحوار والنقاش الهادئ والهادف والموضوعي.. ولكن لا أظن أننا وصلنا إلى هذه المرحلة خاصةً بعد أن استمعنا لبعض نواب لبنان الكرام وهم يناقشون التاريخ وليس الحاضر، ويتهمون من سبقهم في الحكم وهم كانوا شركاء في كل شيء، دون قدرة منهم على تقديم رؤية للواقع، ويناقشون مستقبل المنطقة العربية ونتائج ثورات الربيع العربي دون الالتفات إل مشاكل الداخل مما يعني أنهم غير قادرين على انجاز ملف واحد من ملفات لبنان العالقة والمعقدة والمتراكمة، حتى وصل الأمر بأحدهم وهو النائب في تيار ميشال عون حليف حزب الله الأساسي ليقول بأنه يخاف من المستقبل ومن التغيير القادم إلى المنطقة العربية، فهو أسير الخوف والقلق من الأكثرية الشعبية الموجودة بحكم التاريخ والجغرافية في المنطقة، وضحية النزعة الانعزالية التي زرعها فيه ميشال عون وحزب الله، وما قاله هو أنه: (توجه إلى "القوات اللبنانية" طالبا منها "عدم البقاء كغطاء" وقال للدروز وللكتائب و"القوات": "نحن صغار في لعبة الحكم ولا يمكننا إلا الاتكال على بعضنا لان أي رهان على الخارج سيؤدي بنا إلى الهلاك هذه تساؤلات مشروعة. الشيعة والسنة والدروز عليها أن تكون مع المسيحيين سربا واحدا في سبيل الوطن".




وأثار كلام عون امتعاض بري فسارع إلى انتقاد "اللغة المستعملة، وقال: "أعرف انه في داخل كل واحد منا وحش طائفي، إنما في اللغة المعتمدة في المجلس، ينبغي أن نبدأ بلبنان الذي يجمعنا كلنا"). وبالرغم من أن كل ما قاله هذا النائب هو مذهبي وطائفي بتأكيد مباشر من نبيه بري، إلا أن وزير حزب الله حسين الحاج حسن رأي عكس ذلك تماماً فهو قد:(أسف خلال (احتفال تأبيني) "لازدياد منسوب الخطاب الطائفي والمذهبي والتحريضي في جلسات المجلس النيابي، ولاسيما لدى فريق 14 آذار").. هذا النموذج وهذه العينة المباشرة تدفعنا للإضاءة على واقع المجتمع اللبناني السيئ والصعب في ظل انتشار هذا المستوى من الفهم السياسي وانعدام القدرة على الحوار والنقاش بين مكونات لبنان المتنوعة بل حتى على فهم الوقائع كما هي دون تحوير أو تلاعب، للإشارة إلى العوائق والعراقيل التي تجعل تطبيق قانون النسبية في الانتخابات المقبلة غير ممكن حالياً بناءً على:


– إن كثير من القوى السياسية هي عبارة عن زعامات محلية يبرز حضورها في مناطق معينة وضمن بيئات دينية معينة لا تتجاوزها ولا تستطيع التأثير خارج محيطها.. فكيف يمكن استيعابها في نظام انتخابي نسبي سوى في إلحاقها بقوى سياسية كبيرة تقوم باستغلالها والتأثير على قرارها لخدمة مشروعها باسم النسبية لإعطائها دور سياسي شكلي وإلا فإنها ستغيب عن المسرح السياسي…


– إذا كان الأمر كما ذكر وأشار نبيه بري وهو أن داخل كل واحد من السياسيين وحش طائفي، فكيف يكون الحال بالمواطن العادي الذي يستمع للسياسي ويعمل بتوجيهاته ويحظى بحمايته؟ وقد رأينا كيف أن مواقف بعض الشخصيات الشيعية المناقضة لمواقف بري ونصرالله قد جعلت من هذه القيادات خارج مناطق المربعات وسيطرة هذا الفريق بعد أن تحرك الوحش الطائفي الكامن في البعض حين حان وقت الطلب أو الإشارة له بذلك..؟؟


– كما ورد في سياق الخبر الذي ذكر رأي الوزير حسين الحاج حسن، أنه قاله في (مجلس عزاء)، ومن المعروف بأن مواقف حزب الله التي يطلقها قادته إنما تلقى في معظمها خلال إحياء مراسم عزاء أو إحياء مناسبات دينية أو عند إقامة احتفالات تقيمها مؤسسات حزب الله، وهذا معناه أن الحدث السياسي إنما يقرأ خلال هذه اللقاءات بخلفية دينية وبالتالي فإن الموقف السياسي يأخذ بعداً دينياً وشرعية دينية، وما على الجمهور الملتزم إلا الأخذ بهذه التوجيهات وتبني هذه المواقف على أنها مسلمات صادرة عن مرجعيات وقيادات ذات بعد ودور ديني ودنيوي…


– كذلك الأمر فقد دعا النائب حسن فضل الله خلال (احتفال تأبيني) المعارضة إلى "الإفادة من نتائج مناقشات المجلس النيابي بالخروج من السلبية والعمل على التصويب البناء لأداء الحكومة وعملها، لافتاً إلى أن "السلبية لا يمكن أن تبني وطنا أو تصوّب أداءً). إذا كان هذا الكلام صحيحاً وينطلق من رغبة حقيقية في تصويب العمل الحكومي وإنجاز طموحات اللبنانيين وتحقيق تطلعاتهم، فلماذا عطل حزب الله وطوال سنوات سبقت عمل الحكومات المتعاقبة منذ العام 2005، وحتى استقالة حكومة الرئيس الحريري، وهل كان الحوار غير مجدي خلال عهد الحكومات السابقة وفجأة أصبح ضرورياً ومصلحة وطنية عليا اليوم..؟؟ فالفشل أو التأخير مسؤول عنه من عطل المؤسسات وحاصر المباني وأطلق لغة التخوين والتهويل…؟؟


– لقد أكد فريق حزب الله وحلفائه طوال المرحلة السابقة على إمساكهم بالسلطة التنفيذية، (بالرغم من أنهم كانوا شركاء فيها بكل ما تعنيه الكلمة من معنى)، على أنهم يملكون الحل المناسب والناجع لمشاكل الوطن وما على المواطنين سوى الانتظار لرؤية الوقائع والتغيرات، فماذا كانت النتيجة.. تبين الأن أن حزب الله وحكومته التي يرأسها نجيب ميقاتي شكلاً فقط، لضرورة أن يكون سني المذهب ومن مدينة طرابلس بهدف إثارة حساسية..؟؟ لا يملك هو وحلفاؤه رؤية واقعية وإمكانية حقيقة لإدارة الكيان اللبناني، لذلك لم يخرج خطاب مسئوليه في البرلمان عما كانوا يقولونه حين كانوا فقط شركاء في السلطة لا أصحاب السلطة…؟؟


– من هو الفريق الذي لم يحترم نتائج الانتخابات الأخيرة والرغبة والإرادة الشعبية الحقيقية فمارس سياسة التهويل والترهيب حتى استجاب له وليد جنبلاط وأعطاه ما يريد واعتبر حزب الله هذا الموقف قمة في الفهم السياسي وبعد النظر والإدراك الحقيقي لمتغيرات الواقع السياسي في المنطقة كما رآه احتراماً لإرادة الناخب مع أنه ليس كذلك…، واليوم نرى جنبلاط في مكانٍ أخر كما اعتدناه فهل لا زال حزب الله وأتباعه يملكون الأكثرية النيابية والشعبية..؟؟ ومن لا يحترم إرادة الناخبين وموقفهم وتصويتهم في نظام انتخابي أكثري كيف لنا أن نثق به في حال تم تطبيق انتخابي يعتمد النسبية….؟؟؟


– إن حزب الله وحليفته أمل، جزء من منظومة مرتبطة إقليمياً، ولا يخفي نصر الله هذا بل يقول علناً التزامه مفهوم ولاية الفقيه وإتباعه مواقف مرشد الجمهورية الإيرانية، فكيف إذا جرت الانتخابات في لبنان وانتخب فريق بناءً على توجيهات الولي الفقيه الذي تعتبر مواقفه إرادة إلهية وإرشاد رباني..؟؟ أين ستكون النسبية حينها…؟؟


– وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذا الفريق مسلح حتى العظم وبكافة أنواع الأسلحة مما يعطيه أفضلية ونقاط قوة على باقي مكونات المجتمع اللبناني، ونصر الله عندما يتكلم ويخاطب جمهوره إنما يخاطب جمهور ملتزم بمواقفه ونهجه وإرادته، فإذا جمعنا الإرشاد الإلهي والالتزام الشعبي من قبل هذا الجمهور مع السلاح المنتشر بأيدي هذا الفريق، فكيف سيكون حال الانتخابات التي ستجري وأية موضوعية ونزاهة ستحكم نتائجها…؟؟؟


من هنا نرى أن طرح موضوع قانون انتخابي جديد إنما هو في غير محله وفي وقتٍ غير مناسب على الإطلاق، لأن من الشروط الأساسية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، هو المساواة بين المواطنين الناخبين، وضمان حرية تحرك كافة المرشحين في المناطق المختلفة، والتعبير عن آرائهم ومواقفهم بحرية مطلقة دون تخويف أو تهويل أو تخوين أو ربط بعضهم بمشاريع إقليمية ودولية تمهيداً لعزلهم وتحطيمهم سياسياً وأخلاقيا وتهديدهم أمنياً. لذا فإن شروط تنفيذ إجراء انتخابات حرة ونزيهة وعادلة وتحترم كافة القوى نتائجها يجب أن يكون سابقا على مناقشة أي قانون جديد وبالتحديد قانون النسبية….