مسائية الشعب السوري‏

د. أحمد الشامي (باريس) – بيروت اوبزرفر




من تابع وقائع افتتاح مؤتمر أصدقاء الشعب السوري في تونس لا بد وأنه لاحظ كثرة هؤلاء مترافقة مع قلة حيلتهم ، فأكثرهم "مثل قلّتهم " يبدون وكأنهم قد جاؤوا للتمتع بشمس تونس الساطعة في هذا الفصل من السنة ، يصح فيهم القول مع هكذا أصدقاء قليلي النفع ، هل يحتاج الشعب السوري ٳلى أعداء ؟


بدا هذا المؤتمر أشبه بما يسميه العوام من أهل الشام " تمساية " وهو طقس للتعزية بالموتى حيث يحضر أهل الخير من أصدقاء وأقارب الغائب بل ومن الجيران و جيران الجيران ويقومون بواجب العزاء بالفقيد الغالي فيعددون مآثره ويطنبون في مديحه و في وصف محاسنه. تنتهي الجلسة كما بدأت ، بفنجان قهوة مرة وبقول المعزين : "عظّم الله أجركم " فيرد أهل الفقيد : شكر الله سعيكم


في " التمساية " يكون الناس في شبه غيبوبة وهم لا يزالون واقعين تحت هول صدمة غياب الفقيد ، وهو في هذه الحالة الشعب السوري وليس سوريا النظام "لا سمح الله…" فاﻷسد لا زال في سدة الحكم ولا زال زبانيته يقصفون حمص و" يقصفون " أعمار الشعب السوري برجاله ونسائه وأطفاله. هو ذات الشعب السوري الذي جاء أهل الخير هؤلاء للتعزية به ، على مبدأ تقتل القتيل ، صمتاً أو تواطؤاً ، ثم تمشي في جنازته


لولا لطف الله وشجاعة اﻷمير "سعود الفيصل " لانتهت جلسة العزاء كما بدأت ولاستمر الحاضرون في غطيطهم ، يقتلهم الملل لكنهم مضطرون للبقاء جالسين "ﻷداء الواجب ". اﻷمير "سعود الفيصل " ابن أبيه آخر أسود العرب ، فيصل بن عبد العزيز رحمه الله ، نبه المعزين ٳلى أن الروح ما زالت تنبض في عروق الشعب السوري الذي "يدفنه " الحضور. فكانت للأمير وقفة عز سوف يذكرها له التاريخ حين غادر"جلسة العزاء " هذه بعد أن ذكّر الحضور أنهم أمام عملية ذبح لشعب مسلوب الحرية والكرامة يناضل من أجل مستقبل أفضل. كلام اﻷمير ربما حرّك بقية من ضمير لدى السيدة "كلينتون " التي أظهرت براعة فائقة في اللعب على اﻷلفاظ وفي تبرير تخاذل دولتها عن واجبها في حماية المدنيين من القتل


السيدة "كلينتون " لا تقرر السياسة اﻷمريكية بل تنفذ سياسة سيد البيت اﻷبيض ، الرئيس اﻷسمر المشغول عن مجازر سوريا بأمور جلل ، مثل ٳعادة انتخابه و مثل التصدي لقراصنة الانترنيت الذين يعيثون فسادا في الفضاء الافتراضي


يبدو أن صور الدم السوري المسفوك على يد زبانية اﻷسد "لا تصل " ٳلى السيد "اوباما "، لدرجة أن الرئيس الأمريكي مضطر ﻹرسال طائرات دون طيار فوق اﻷراضي السورية لكي يعرف ماذا يجري في حمص ، في حين يكفيه أن يشاهد التلفزيون وريبورتاجات الشهيدة اﻷمريكية "ماري كولفين" التي تعرضها سي.أن.أن


هل من الضروري ٳدخال سعر الدم السوري في مؤشر "داو جونز " وفي بورصة "وول ستريت " لكي يحظى ببعض انتباه السيد اوباما


في حين لم يكن متوقعاً من " أهل الفقيد " أعني جماعة المجلس الوطني الذي استجدى دعوة متأخرة لحضور مجلس العزاء أن يتركوا "الواجب" ويرحلوا وراء اﻷمير الفيصل ، جاء خطاب السيد "المنصف المرزوقي " أشبه بثالثة اﻷثافي ، مثله مثل البهلوانيات الكلامية لوزير خارجيته ، لدرجة يحسب المرء أن تونس لا زالت تحت حكم الرئيس الهارب "زين العابدين بن علي" وأن تونس لم تعش لا ثورة ولا من يحزنون ! بدليل رفض ٳعطاء تأشيرة دخول لتونس للسيدة سهير أتاسي والسيد جورج صبرا ومنعهما من حضور المؤتمر


السيد "المرزوقي " الذي عرفناه معارضاً لاجئاً في باريس وحسبناه "مثقفاً كبيراً " بدا صغيراً. الرجل الذي اجترح مصطلح "الاحتلال الداخلي" وواجه أبواق اﻷسد على "الجزيرة " متهماً ٳياهم بأنهم قتلة ، والذي يطالب باسترداد الرئيس الهارب "بن علي" لمحاكمته ، لم يجد أفضل من اقتراح "الحل اليمني " للأسد الذي يرفض الاعتراف بأن هناك مشكلة ناهيك عن وجود معارضة لحكمه في سوريا ! نسي الرئيس التونسي أن هناك نهراً من الدم قد سال في سوريا وأن مقارنة اﻷسد بعلي عبد الله صالح هي ٳهانة للأخير الذي قبل حكم الشعب بحقه و الذي لم يسفك من الدم اليمني خلال الثورة كلها مثلما سفك بشار وزبانيته في أسبوع واحد


الرئيس التونسي العتيد يرفض "كل تدخل خارجي في سوريا " ويخص بالذكر "التدخل العسكري ". يبدو أن أحداً لم يخبره بزيارات البوارج الروسية واﻹيرانية لموانئ سوريا ولا بتدفق مقاتلي حزب الله وحراس الثورة لدعم نظام اﻷسد. ٳن كان لا يدري فأي دولة تونسية هذه التي تجهل ما يعرفه أطفال سوريا ، أما ٳن كان يعلم فهو جدير بالانضمام للمعارضة السورية المدجنة


السيد "المرزوقي " بدا في خطابه متفلسفاً وسفسطائياً وبعيداً عن الواقع. حاول الرئيس "المثقف" أن يبدو بمظهر السياسي الحكيم وما نجح ٳلا في ٳظهار كم هو منصب الرئاسة فضفاض بالنسبة لشخصه. لم يرتق "المثقف الملتزم والمناضل الحقوقي " ٳلى مستوى اﻷمير الفيصل "ممثل الرجعية العربية المتخلفة " بحسب الخطاب اليساري المتخشب والذي وجد الجرأة لوصف ممارسات نظام اﻷسد بأنها ممارسات احتلال همجي


لم يطلب أحد من السيد "المرزوقي " أكثر من أن يكون صادقاً مع نفسه وملتزماً بخطابه هو نفسه ، أو فليتحفنا بصمته


بعدما تفاءلنا بٳقامة المؤتمر في تونس "الثائرة " استفقنا على واقع أن التغيير في تونس بعيد عن أن يرقى ٳلى ما هو متوقع من نظام يحس بآلام المسحوقين


السيد "اوغلو " كان كعهدنا به ، منسجماً مع نفسه ، لم يغير في خطابه شيئاً وما أتى بجديد ، فالرجل يعرف أن لكل مقام مقال ، وفي جلسة عزاء بشعب يُذبح ، لا داعي للٳكثار في الكلام ، يكفي القول : عظّمَ الله أجركم


السوريون اﻷبطال ما فتئوا يرددون : "يا الله ما لنا غيرك يا الله"… لعل الله استمع لدعائهم وأرسل لهم بطلاً من آل سعود