//Put this in the section //Vbout Automation

سوريو الشتات – فايز سارة – الشرق الاوسط

 

تتفاوت تقديرات أعداد السوريين في الشتات. وأحد الأسباب يكمن في الخلط بين السوريين الذين ما زالوا يحملون جنسية بلدهم ويعيشون أو يقيمون في الخارج، وبين ذوي الأصول السورية ممن هاجروا إلى المغتربات، واستقروا فيها لسبب ما، ثم صاروا في عداد مواطنيها، وإن كان كثير منهم على ارتباط عاطفي أو مصلحي مع سوريته السابقة.




غير أنه وبغض النظر عن الفئة الأخيرة من السوريين في الشتات، فإن أعداد السوريين في الخارج تبدو كبيرة جدا، وحسب التقديرات فإن أعداهم تصل إلى نحو أربعة ملايين نسمة، وقد زادت أعدادهم خاصة في ضوء أحداث السنة الأخيرة التي شهدتها البلاد، والتي دفعت بمئات ألوف السوريين إلى الخارج، بينهم أكثر من مائة ألف تسربوا إلى دول الجوار المباشر.

وإذا كانت الأحداث بين أسباب تزايد أعداد السوريين في الشتات نتيجة خروجهم من بلدهم، فإن ثمة أسبابا أخرى متعددة ومتداخلة، شكلت دافعا لخروج السوريين إلى الشتات، والأهم فيها ثلاثة: أولها سياسي ناجم عن الظروف التي أحاطت بالبلاد في فترة ما بعد الاستقلال، والتي غلب عليها عدم الاستقرار وخاصة مع الانقلابات العسكرية، وما شهدته البلاد من أحداث دموية تكررت بمعدل مرة كل عشر سنوات منذ أن استولى البعث على السلطة في العام 1963، وبعضها استمر سنوات كما حدث في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، وقد دفعت الأسباب السياسية حشودا من السوريين إلى الخارج فارين من عسف الأنظمة، وكثير منهم التحقت بهم عائلاتهم، وآخرين كانوا راغبين بالعيش في بيئة سياسية مناسبة، والبعض بفعل الخوف المعمم من احتمالات المستقبل، ووحدها سنوات الثمانينات دفعت بنحو ربع مليون سوري هاربين من عسف النظام.

والسبب الثاني سبب اقتصادي، تمثله ظروف حياة السوريين الناتجة عن الخيارات الاقتصادية، التي غلب عليها طابع الشعارات أكثر من الوقائع، والتي اتخذت طابعا تجريبيا لا مؤسساتيا، وقد خلفت كوارث كان بين تعبيراتها تردٍّ اقتصادي كبير في مختلف المجالات، وتضييع فرص النمو، إضافة إلى ما خلفته السياسات من فقر وبطالة وتضخم طحنت السوريين وما تزال، بل إن تلك السياسات أدت في بعض نتائجها إلى هروب الرساميل السورية مبكرا إلى الخارج، وأسست لنهج مراكمة رؤوس الأموال السورية في الخارج، حيث يوجد هناك اليوم ما بين 120 و180 مليار دولار، وهذه الأسباب الاقتصادية ونتائجها حولت سوريا إلى قوة طاردة لمواطنيها بحثا عن فرص عمل هربا من الحاجة، أو طموحا إلى حياة أخرى تليق بتطلعات الناس، وكان من نتائج ذلك وجود عشرات آلاف السوريين في أغلب بلدان الخليج العربية، بينهم كثير من العاملين والمقيمين، وبعضهم من الباحثين عن فرص استثمار خارج السياق القائم في سوريا.

والسبب الثالث لحالة الشتات السوري يكمن في أسباب حضارية وثقافية، ناتجة عن سياسات الانغلاق الفكري والثقافي التي اتبعت بصورة متواصلة منذ استيلاء البعث على السلطة، حيث جرى تعميم ثقافات تعبوية في مختلف نواحي الحياة، وتم تطبيق نظام عسكرة الحياة وضبطها على نحو ما كانت عليه منظمات الفتوة في الفترة الأولى، ثم في تجربة الجيش الشعبي، وتاليا في التدريب الجامعي، وما بينها، مختلف القطاعات والمجالات، وتم إحكام القبضة الأمنية على الحياة العامة، وكلها غيرت الطابع العام للحياة السورية في جوانبها الحضارية الثقافية والتعليمية، ودفعت كثيرين للهجرة إلى الخارج، وبينهم كادرات نخبوية وطلبة دراسات عليا وتخصصية، وكثير ممن ذهبوا في هذا الاتجاه لم يعودوا، وأرقام هؤلاء ليست بسيطة. ففي ألمانيا وحدها هناك عشرات آلاف أطباء الأسنان السوريين، وفي الولايات المتحدة أكثر من ذلك بكثير.

وزادت أحداث العام الأخير من أعداد الشتات السوري، ليس فقط بسبب العوامل السابقة، إنما بسبب تدهور الأوضاع الأمنية نتيجة السياسات والممارسات الأمنية العسكرية، التي جرى تطبيقها في إطار حل الأزمة القائمة بدل الذهاب إلى معالجات سياسية، وعلى الرغم من أن أرقام اللاجئين السوريين إلى بلدان الجوار تحت تأثير العمليات الأمنية والعسكرية، تشير إلى عشرات الآلاف ممن ذهبوا إلى تركيا ولبنان والأردن، وأغلبهم مسجلون باعتبارهم لاجئين، فإن تقديرات المغادرين إلى الخارج بصفة مؤقتة أو دائمة تزيد على ذلك بكثير، لكن لا تتوفر أرقام رسمية عن هؤلاء.

وأضافت حركة النزوح الأخيرة إلى واقع الشتات السوري ملامح جديدة، كان أبرزها حدوث تغييرات جوهرية في حياة ومواقف الجاليات السورية، بأن أعادت ترتيب علاقاتهم ببلدهم ومواطنيهم، وأخذت تتكرس ملامح جديدة للجاليات وخاصة في الأوساط الشبابية، كان من نتائجها إعادة إدماجهم مع الشأن العام، والتفاعل مع ما تشهده البلاد من أحداث، اتخذ فيها البعض مواقف مؤيدة للنظام، فيما اتخذ آخرون مواقف المعارضة، وتفاعلوا بصورة إيجابية مع حركتي الاحتجاج والتظاهر، فنظموا مظاهرات، إضافة إلى حملات الإعلام والإغاثة المالية والطبية المتواصلة لدعم ضحايا الحل الأمني العسكري، غير أن الإضافة الأهم التي ظهرت في دور الشتات، هي تحوله إلى حاضن رئيسي للمعارضة السورية بمختلف تعبيراتها، ولا سيما المجلس الوطني السوري.

لقد تغيرت على نحو واضح ملامح الشتات السوري اليوم. وبعد أن كان الأبعد عن الهموم العامة للداخل السوري، صار الأقرب إليه، وبدل ما كان عليه الحال في تركيز الجاليات على المنافع الفردية لنخبتها خاصة، صارت أغلبية الجاليات تبحث عن المنفعة العامة لأكثرية السوريين، ومن أجل تخفيف معاناتهم والتفاعل الإيجابي مع مساعيهم من أجل التغيير والانتقال بسوريا إلى بلد حر ومعاصر.