دمشق لزوارها اللبنانيين: أخطأنا بحق حلفائنا المخلصين.. لصالح المتلونين – عماد مرمل – السفير


قبل فترة، قال النائب وليد جنبلاط إن معركة «بابا عمرو» في حمص ستشكل نقطة تحول في مسار المواجهة مع النظام السوري، تبعاً للنتيجة التي ستنتهي إليها، واصفاً إياها بأنها «ستالينغراد سوريا.. وإذا سقطت ستستقط معها كل سوريا». بالفعل صدقت توقعات جنبلاط من حيث المبدأ، فشكلت موقعة بابا عمرو مفترق طرق، ولكن في اتجاه تعزيز أوراق النظام الذي تمكن من كسب واحدة من أكثر المعارك مصيرية بالنسبة إليه.





ولأن عناصر عدة وعواصم بارزة «احتشدت» في حي «بابا عمرو» الذي اصبح في لحظة من اللحظات خط تماس إقليمي ـ دولي، فإن الرئيس بشار الأسد لم يتأخر في استثمار إنجاز استعادته الى حضن النظام وحلفائه، مستخدماً الأداة ذاتها التي يستعملها خصومه ضده منذ بداية الأزمة: الصوت والصورة. وهكذا، قرر الرئيس السوري ان يقوم بـ«استعراض قوة» في الحي، من خلال زيارة أراد منها رسم حد فاصل بين مرحلتين، وتوجيه الرسائل الى ما بعد، بعد، «بابا عمرو».


ويعتبر زوار العاصمة السورية أن زيارة الأسد الى الحي المنكوب أعطت الإشارة المباشرة الى معالجة الجانب الأخطر والأصعب من الأزمة، والدخول في عملية «تنقية» للأرض من خلال مصفاة أمنية متحركة، تواكب الخطوات السياسية، مشيرين الى عزم الرئيس السوري على استكمال تطبيق المشروع الإصلاحي حتى النهاية، في موازاة مواصلة التطهير الميداني لاستئصال ما تبقى من مجموعات مسلحة.


وينقل زوار دمشق عن الأسد تأكيده أن العد العكسي لانتهاء الأزمة قد بدأ، وأن سوريا انخرطت في مرحلة جديدة عنوانها بناء الدولة الحديثة والمتطورة، من دون أن يعني ذلك الانتفاء الفوري للبؤر الأمنية المتفرقة التي قد تستمر قائمة لبعض الوقت، في انتظار إقفالها تدريجياً، «ولكن المهم أنها لم تعد تشكل أي خطر استراتيجي، بعدما تم ضرب نقاط ارتكازها الأساسية في العديد من المناطق الحيوية».


ويؤكد الزوار، الذين تسنى لهم لقاء الأسد مؤخراً، انه بدا شديد الطمأنينة الى الحاضر والمستقبل، معبراً من خلال كلامه عن ثقته في الخروج من المعركة منتصراً، وعن ارتياحه الى المسار الذي تسلكه الأحداث على المستويين الميداني والسياسي.


ويلمس زوار الأسد انفتاحه على المعارضة الوطنية السورية، مؤكداً أنه يحترمها ويقدرها، وأنها ستكون شريكة في تحمل مسؤوليات المرحلة المقبلة، خلافاً لحال المعارضة المستقوية بالخارج والتي لن تجد موطئ قدم في سوريا الجديدة.


ويلاحظ زوار دمشق أن الأسد أسقط من حسابه كلياً الجامعة العربية وكل ما يمكن أن يصدر عنها، وبالتالي فهو لم يبد أي اهتمام بقمة بغداد، وتعمد أن يتجاهلها، كأنها لم تكن، بمعزل عن طبيعة قراراتها، مكتفياً بالإشارة إلى أن الجامعة أساءت الى كرامة الشعب السوري قبل النظام، ولذلك لم يعد لها بالنسبة الى السوريين مكان في الإعراب السياسي.


ويكشف زوار دمشق عن معلومات مفادها أن هناك محاولات عربية لإعادة مد خيوط ـ ولو رفيعة ـ في اتجاه النظام السوري، مشيرين الى أن بعض الأجنحة في السعودية وفي دولتين خليجيتين سعت مؤخراً، من تحت الطاولة، الى فتح خطوط مع الأسد، على وقع موازين القوى المستجدة، ولكن الرئيس السوري لم ولن يتجاوب مع هذا المسعى في الوقت الحاضر، بعدما وضع الدور العربي خلف ظهره حتى إشعار آخر.


واستناداً الى قراءة العائدين من العاصمة السورية، فإن الأنظار يجب أن تتجه الى رصد الارتدادات المحتملة لصمود القيادة السورية في مواجهة كل الأنظمة العربية التي شاركت في محاولة إسقاط الأسد، معربين عن اعتقادهم بأن نجاح الأسد في البقاء على قيد الحياة السياسية برغم شراسة الهجمة عليه، سيجعله أقوى مما كان قبل نشوب الأزمة، خلافاً لتوقعات البعض بأنه سيخرج من المواجهة ضعيفاً ومثخناً بالجراح، حتى لو بقي في السلطة.


وإذ يشيد الأسد بعمق التحالفات الثابتة مع كل من روسيا والصين وإيران، يحرص على الإشارة في الوقت ذاته الى انه لولا المعطيات الداخلية المتينة والصمود على الأرض، «ما كان الحلفاء والأصدقاء ليستطيعوا الذهاب بعيداً في دعم سوريا».


ووفق زوار دمشق، يعوّل الأسد على وعي الشعب اللبناني وإدراكه لخطورة ما يمكن أن يصيب بلده، إذا حققت خطة استهداف سوريا أهدافها، مكرراً في هذا المجال تقديره للدور الذي يؤديه الجيش اللبناني وقيادته.


ولكن الأهم في مراجعة الأسد للملف اللبناني أنه أقرّ امام بعض من التقوه بأن دمشق ارتكبت أخطاء مع حلفائها المخلصين والصادقين ممن لا يبدلون الوجوه، لصالح أطراف متلونة ارتدت على سوريا برغم ما قدمته لها وما أظهرته من رحابة صدر في التعاطي معها.


ويستنتج العائدون من العاصمة السورية أن أبواب دمشق لن تُفتح بعد اليوم أمام وليد جنبلاط، أياً تكن الظروف في المستقبل، وبالتالي فإن الواقعية السياسية التي فرضت سابقاً الالتقاء بين الجانبين بعد قطيعة قاسية لن تنجح مجدداً في إعادة وصل ما انقطع، ملاحظين أنه وبرغم المواقف الصاخبة التي تصدر عن رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» ضد الأسد فإن أحداً في القيادة السورية لا يتوقف عندها ولا يكترث لها، في تعبير عن قرار متخذ باعتبار الرجل «غير موجود» سياسياً.


ويذهب أحد «الظرفاء» من أصدقاء دمشق الى القول إنه إذا حصل أن استقبل الأسد مرة أخرى رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» فإن السوريين الذين نزلوا الى الشارع دفاعاً عن رئيسهم هم من سيهتفون هذه المرة: «الشعب يريد إسقاط النظام».


ويعتبر زوار دمشق أن جنبلاط «خسر معركة جبل العرب بالضربة القاضية، بعدما اثبت أبناؤه صلابة دعمهم للأسد وتمسكهم ببقائه في السلطة وبتحقيق الإصلاح تحت قيادته، خلافاً لنصائح زعيم المختارة بأن يثوروا عليه، وذلك في موازاة رفضهم لأي اقتتال مع مكونات أخرى في المجتمع السوري»، ويُروى أن مشايخ طائفة الموحدين الدروز في جبل العرب ردوا على مقتل 30 درزياً خلال الأحداث بدعوة شيوخ درعا القريبة الى مأدبة غداء، أكد خلالها أصحاب الدعوة حرصهم على الجيرة الحسنة وعدم الانجرار الى الثأر المذهبي.


ولعل في زيارة الاسد للسويداء امس، ما يدل بوضوح على ان الهوية السياسية للمنطقة تتعارض مع هوى المختارة