وثيقة الإخوان المسلمين والرئيس السوري المسيحي – جوزف الهاشم – الجمهورية


وثيقة "العهد والميثاق" للإخوان المسلمين السوريين، أحدثت ما يشبه الانقلاب على الذات، والانقلاب الذهني الخارجي حول تطوّر المفهوم المدني لجماعة الإخوان السوريين، قياساً على دعوات التيارات الإسلامية الأخرى ذات النزعة المتشددة.

فحين تدعو وثيقة الإخوان الى "دولة سورية مدنية حديثة ديموقراطية تعددية تداولية تلتزم حقوق الإنسان بحرية التفكير والتعبير ويحق لأي مواطن فيها الوصول الى أعلى المناصب…"




فهذه الصيغة الشرعة تشكل تحدّياً إنسانياً حضارياً ديموقراطياً إسلامياً، لمن رفضوا في مصر أن يقفوا دقيقة صمت حداداً على البابا شنودة، ولمن تظاهروا في تونس مطالبين بتطبيق الشريعة وإقامة دولة الخلافة، ولمن يطالبون بإحراق الكنائس في الجزيرة العربية، وتشكل تحدياً "لهتلر" الذي قال: "أنا أقوى من المسيح لأن المسيح قتَلَهُ اليهود وأنا قتَلْتُهم".

إذا كان بعضهم قد ذهب في استخدام مخيَّلَتهِ الى حدّ الاستنتاج أن مواقف البطريرك الراعي هي التي حرَّضَتِ الملاك على أن يهمس في أذن المفتي السعودي لإصدار فتوى حيال الكنائس، أفلا تنطبق هذه القاعدة على استنتاج عكسي بأن مواقف غبطتُهُ هي التي "بطْركَتْ" وثيقة الإخوان المسلمين؟ كأنما هي ردّ تطميني لهواجس القلق الضاغط على الوجود والحضور المسيحي، وعلى تكافؤ الحقوق والواجبات في المجتمعات ذات الأكثريات الإسلامية.

لعلّ هذه الوثيقة التي أُعلنت من اسطنبول والتي استوحت المعنى الحضاري والمدني للإسلام "الأتاتوركي"، كفيلةٌ هي بأن تشكل مثالاً يحتذى لسائر جماعات الإخوان بمن فيهم الإخوان غير الأشقاء، وتشكل أنموذجاً حضارياً للحركات المتشددة التي تشترع مذاهب من صنع الإنسان تتعارض مع مذاهب من صنع السماء.

وإذا كانت السلفية في مفهومها الديني ومعناها اللغوي تعني الانتساب الى السلف الصالح والاقتداء به، فإن السلف المسيحي والمسلم كان متقدماً سلفاً على تخلُّـفِ الخلَفِ المتقدم، يوم كان شيخ الأزهر ابراهيم بن موسى الفيومي من الأقباط، ويوم كان "فورتون" ملك نافار هو الجد الأعلى للخليفة عبد الرحمان الناصر، ويوم كان عددٌ من الخلفاء المسلمين ومنهم عمر بن عبد العزيز وعبد الملك بن مروان وهارون الرشيد والمأمون، يمضون قسماً من حياتهم في دير مار سمعان قرب معرّة النعمان ودير مار مارون في جوار دمشق ومنهم من توفي فيهما، فإننا نسمع اليوم بعض الخـلفَ الصالح يكفّر أهل الأديرة ولا يُدرك "أن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون.

قرأت للشيخ أحمد حسون مفتي سوريا في جريدة الشرق عدد: 20 /1 / 2010 يقول: "لو طلب نبيُّنا محمد أن أكفر بالمسيحية واليهودية لكفرتُ بمحمد…"

وقرأت للشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار الجزء الخامس مستوحياً من الآيتين (123 ــ 124 من سورة النساء) أنّ "هناك جهّـالاً من المسلمين جعلوا الدين كالجنسية السياسية ، فظنوا أنّ الله يحابي من يسمِّي نفسه مسلماً ويفضله على من يسمي نفسه يهودياً أو نصرانياً…"

وقرأت أيضاً للمفكر المصري فهمي هويدي في مجلة العربي شباط 1981 "لقد سمعت واحداً من خطباء الجمعة يحدثنا أن الإسلام" خير أمة أخرجت للناس". وذهبت به الحماسة الى أن يدعو الله الى دكّ بيوت غير المسلمين وتفريق شملهم وإهلاك نسلهم… ولا يذكر هذا الشيخ الخطيب أن هذه الآية معلّقة على شرط في الشق الثاني منها: وهو: "تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر…"

يبقى… على الخلف الصالح من المسلمين والمسيحيين أن يقرأوا جيداً القرآن والإنجيل حتى لا يـجدّفوا باسم دين الله على الله.