//Put this in the section //Vbout Automation

ما الذي فعله إخوان سوريا؟ – طارق الحميد – الشرق الاوسط


الوثيقة التي قدمها الإخوان المسلمون في سوريا (مشروع عهد وميثاق) والتي تقول بمدنية الدولة بعد بشار الأسد، وحق الأقليات والمرأة، وضمان ألا تكون ديمقراطية سوريا تعسف الأكثرية على الأقلية، ليست حدثا سوريا فحسب، بل هي ثورة الإخوان أنفسهم الذين ألقوا بصخرة كبيرة في ماء الإخوان الراكد بكل مكان.




إخوان سوريا أثبتوا أنهم غير، مثلما يقال بأن سوريا غير، لكنهم أيضا وجهوا رسالة واضحة للتنظيم الأم، وتحديدا في مصر، وباقي دول العالم العربي، وكذلك إخوان الخليج، الواضحين منهم والمخادعين.. فما قدمه إخوان سوريا في وثيقتهم هو رسالة تطمين لكل أطياف المجتمع السوري، وكذلك للمجتمع الدولي، لكنهم أيضا ضربوا عصافير بحجر، مثلما أنهم حطموا مفاهيم كانت هي نقطة إدانة الإخوان، في كل مكان.

وثيقة إخوان سوريا تعني أن الدولة هي الوطن الأم، وليس مفهوم إلغاء الدولة، أو «طز في مصر» كما قال ذات مرة مرشد إخوان مصر. وبالتالي، فإنه لا بيعة، أو هكذا يفترض، للمرشد، وإنما هناك عقد اجتماعي بين الدولة والناس، وشرعه الدستور. وثيقة إخوان سوريا أيضا تعني أن الدين لله والوطن للجميع، فلا إقصاء، ولا مزايدات، وإنما يكسب سدة الحكم من يقدم مشروعا تستفيد منه الدولة، ومواطنوها. فشعار «الإسلام هو الحل» لا يسدد فاتورة جوال، ولا يفتح مدرسة، وإنما العمل، والتفاني، وفق رؤية واضحة، وعبر مفهوم التعايش المشترك، والتواصل مع المجتمع الدولي، هو الذي يبني دولة، لا أن تكون سوريا منبوذة دوليا، وحليفة لساكني الأقبية، والكهوف، على غرار حسن نصر الله، ومن هم على شاكلته.

وثيقة إخوان سوريا رسالة مهمة لإخوان مصر الذين يسيرون على نفس خطى نظام مبارك، حيث الإقصاء، والاستئثار بكل شيء، وحتى لو كان بصناديق الاقتراع. فالقضية هنا هي قضية بناء وطن، وليس استغلال اللحظة، فالأوطان لا تبنى باستغلال اللحظات، وإنما ينفع ذلك في الحروب، أما بناء الدولة، وكتابة دستورها فليس بمعركة، بل هو رؤية مستقبلية، حيث تكتب الدساتير للمستقبل، وليس للماضي.

ومن هنا، فإن وثيقة إخوان سوريا مهمة، ورسالة تطمين للسوريين، بجميع مشاربهم، وأديانهم، وطوائفهم، مثلما أنها مطمئنة للجوار السوري، وتحديدا لبنان والأردن، أما العراق فهو من يحتاج إلى تطمين السوريين، وليس العكس. وعندما نقول إن وثيقة إخوان سوريا مطمئنة، ومتقدمة، ولو على الورق، فلأنها جاءت متقدمة على رؤية كل الإخوان في المنطقة، وإن لم تكن أكثر وضوحا من رؤية إخوان تركيا، فهي تقاربهم، كما أنها ستكون مطمئنة للمجتمع الدولي، وبمثابة المشذبة لأي تيار إسلامي آخر في سوريا. فمن يشذ سيكون لونه صارخا، كما أن تلك الوثيقة ستشكل انفراجة لكل من اليمن وليبيا وتونس، ورسالة إحراج لإخوان مصر، لأن نسختهم تبدو الأكثر تأخرا. أما خليجيا، فإن الوثيقة تعد بمثابة الجرس لهم، فها هم إخوان سوريا، وبعد عقود من الصراع مع النظام الأسدي يقرون بمفهوم الدولة، والحقوق، للمرأة تحديدا، والأقليات، فما بال إخوان الخليج المستقر يريدون نقض مفهوم الدولة والمواطنة؟!

حقا.. إنه حدث كبير!