بلمار باقٍ في المحكمة… في ثياب فاريل – جورج شاهين – الجمهورية


لن يتغيّر شيء في عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وهي التي تستعدّ لحدثين متتاليين أوّلهما حفل التسليم والتسلّم بين المدّعي العام المستقيل دانيال بلمار وخلفه الكندي نورمان فاريل غداً. وهو حدث يتزامن مع الاستعدادات الجارية لإطلاق دفعة جديدة من القرارات الاتّهامية. لماذا لن يتغيّر شيء؟

يقول العارفون بمجريات المحكمة ومتابعو الإجراءات التي بوشرت لإطلاق المحاكمات الغيابية مع ما تستلزمها المرحلة المقبلة من خطوات، إنّ فاريل إلى جانب رئيس المحكمة وقاضي الإجراءات التمهيدية ورئيس مكتب الدفاع وغيرهم من المعنيّين، سيشكّلون فريقاً متمرّسا لم يفارق المحكمة في مختلف محطّاتها منذ تشكيل لجنة تحقيق دوليّة حتى تحوّلها محكمة قبل ثلاثة أعوام.




فليس سرّاً القول إنّ فاريل الذي يستعد لتسلم مهمّاته في اليومين المقبلين فور التوقيع على قرار تعيينه وبعد أن تأخذ الإجراءات الإدارية مجراها الطبيعية، كان ولا يزال عضواً في هيئة التحقيق في فريق سلفه بلمار، وحتى في فريق سيرج براميرتس قبل أن يمضي نائباً له طوال 1339 يوماً وتحديداً منذ الأوّل من تموز 2008 حتى انتهاء مهمّاته غداً بانتقاله إلى منصبه الجديد.

وعليه، لماذا اختير فاريل لا غيره من لائحة ثنائية أو ثلاثية كانت في ذهن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون؟ فمنذ أن تبلّغ بان الاستقالة الجدّية والنهائية لبلمار قبل أشهر عدة، وجدت لائحة صغيرة بين يديه بمن سيخلفه، فبدأ استشاراته التي شملت العديد من العاملين في المحاكم الدولية والخاصة، كما درس الكثير من الملفّات الموجودة لدى المكتب القانوني للأمين العام للأمم المتّحدة ووازن بينها تمهيداً للخيار الذي اتّخذه.

يقول العارفون إنّه من غير الضروري أن تكون اللائحة ثلاثيّة إلّا من باب التزام بان الثابت ما نصّت عليه المادة 3 من الاتّفاقية الدولية المرفقة بقرار مجلس الأمن 1757 الصادر في 30 أيّار 2007 والتي جاء فيها: "يفترض أن يأتي التعيين بناءً على توصية من فريق اختيار يتألّف من ثلاثة أشخاص: قاضيان يعملان في محكمة دولية أو تقاعَدا عن العمل، وممثّل الأمين العام". لكن ما تسرّب أنّ اللائحة كانت ثنائيّة، ما فرض على بان المفاضلة بين إثنين فقط أحدهما فاريل، والاسم الثاني يعود للقاضية الغانية فاتو بنسودا التي كانت نائب المدّعي العام في المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو الذي سيبلغ سنّ التقاعد بدءاً من 12 حزيران المقبل ومن المرجّح أن تكون بديلته.

لماذا وقع الخيار على فاريل؟

يشدّد العارفون على أنّ فاريل سيوفّر للمحكمة الخاصة بلبنان انتقالا سلِسا بين مرحلتين فاصلتين أولاهما تسلّم مهمّات المدّعي العام بكلّ صلاحياته المستقلة عن أيّ تدخّل من خارج أسوار المحكمة، وثانيهما لتوفير ديمومة عمل لا بدّ منها في مرحلة هي الأدقّ من تاريخها.

فليس سهلاً أن يتسلّم موقع المدّعي العام من لم يطّلع أو يواكب عمل المحكمة الدولية من بداياتها ليكون ربّان مرحلة الانتقال من تأسيسها ووضع نظامها الداخلي وكلّ قواعد الإثبات والإجراءات التي أخضعت إلى كثير من التعديلات لضمان محاكمة شفّافة لا يمكن الطعن أو التشكيك بها، في كلّ المراحل المقرّرة سواء بقيت المحاكمات غيابية أو تحوّلت إلى مباشرة بمثول من همّ متّهمون بالتورّط في الجرائم التي شملتها باختصاصها.

ويعترف العارفون أنّ المحكمة الخاصة بلبنان التي باتت على قاب قوسين أو أدنى من إصدار المزيد من القرارات الاتّهامية، منها ما هو ملحق إضافي بالقرار الأوّل المتّصل بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، ومنها ما هو متّصل بالجرائم الثلاث الأخرى التي اعتبرت مرتبطة بها، لا يمكنها أن تتحمّل أيّ تجربة أو دعسة ناقصة، وخصوصا في مرحلة تعرّضت فيها المحكمة للكثير من التشكيك في السرّ والعلن.

فالمرحلة التي أعقبت الرابع من شباط الجاري تاريخ إيداع بلمار قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين مجموعة من مشاريع القرارات الاتّهامية الجديدة للبتّ بها، لا تحتمل المزيد من الوقت للتعارف والتعرّف إلى ما أنجزته المحكمة، فاختير لها فاريل من موقعه السابق فيها ومن معرفته بالكثير ممّا تحقّق. فبلمار الذي قرّر اللحظة التي يغادر فيها موقعه بكامل وعيه وإدراكه، كان قد ترك لفرانسين خيار إصدار مشاريع قراراته وتوقيت الخطوة من دون أن يكون هناك أيّ رابط بينها وبين مهلة بقائه مدّعياً عامّا للمحكمة، لم يفاجَأ باختيار فاريل الذي يشاطره المعلومات الدقيقة حول محتواها. فهو يدرك أنّ فرانسين سيقدِم على الخطوة سريعاً بعدما أدخل بعض التصحيحات والتنقيحات على ملفّات القرارات المحالة أوّلاً بأوّل من دون ضجيج. ولذلك سيكون فاريل جاهزاً لمتابعة الخطوات المقبلة.

ويؤكّد العارفون ومنهم بلمار أنّ خطوة فرانسين التي باتت قريبة جدّاً وقد لا تتعدّى منتصف الشهر المقبل، لا يمكن أن تُبنى سوى على ما حوَته ملفّات بلمار المحالة إليه من القرائن والدلائل الدامغة التي لا تقبل الشكّ أو النقض، والتي من شأنها ان تسمح بتوجيه الاتّهام الى من يعتقد انّهم شاركوا أو ارتكبوا هذه الجرائم وماهيّة أدوارهم على أيّ مستوى كان من التحريض الى التخطيط الى التنفيذ، وبما فيها المرحلة التي تلتها.

وختاماً، يؤكّد عشرات المحامين والمتعاطين مع المحكمة منذ أيّام لجنة التحقيق معرفتهم بفاريل كعضو من أعضاء هيئة التحقيق، وأقدمهم يقول إنّه يعرف وجهه فقط لأنّه لم يكن مسموحاً له أن يتعاطى مع أحد من زوّار المحكمة والعاملين فيها، فقد أقسم على نوع من السرّية المطلقة في عمله والتزم قسمه.