عن حرياتنا الإعلامية، إلى كل من يهمه الأمر – جان عزيز – الأخبار

ثمة مبدأ شائع في العلاقات بين البشر، وخصوصاً في الشأن العام، مأخوذ عن مثل فرنسي معروف، بأن أي حقيقة ليست بالضرورة صالحة للقول. طبعاً، لم يخطر ببال مطلقي هذا المبدأ أن يصبح فعلاً تحريمياً يحظر قول أي حقيقة ويمنع نشرها. وإن كان يطمح في الأساس ربما إلى قيام نوع من فعل تنظيمي، يضبط كمية الحقائق الممكن قولها، وذلك على خلفية الاعتقاد بأن قدرة بعض الناس على استيعاب بعض الحقائق قد تكون محدودة، وأن محدوديتهم تلك قد تتحول سبباً للمشاكل في ما بينهم أو حتى لاضطرابات على مستوى الاجتماع البشري. حتى شاع بشكل مواز مبدأ آخر، منبثق بدوره من قاعدة التعلُّم الطفولي، يقول: إن كنت لا تعرف أمراً ما، فهذا يعني أنه من المبكر لك أن تعرفه، أو من الأفضل لك حتى ألا تعرفه…


ما يدعو إلى هذا الكلام هو وضع الحريات الإعلامية عندنا. فهي منذ عقود تسبح في كلام كثير عن أبواب قيودها الثلاثة: أولاً في بعض القوانين البالية، ما يعطي حصانات لبشر يخطئون، فتزيدهم حصاناتهم نزوعاً لأن يخطئوا. وثانياً في ضغوط أهل الإكراه والقوة الفعلية المختلفة الأشكال. وأخيراً في العجز المالي الذي يصيب كل وسائل الإعلام عندنا، والذي يجعلها بدرجات متفاوتة رهينة التمويل غير المنظور، وبالتالي أسيرة الإرادات غير المهنية. لكن الواضح أنه رغم تلك القيود الثلاثة، استمر نضال إعلاميين وصحافيين لبنانيين من أجل حريتهم. على طريقة إيمانهم بأنه إذا كانت الرقابة الخارجية اغتصاباً لفكرهم، فالرقابة الذاتية تعهير لهذا الفكر بالذات، بكل ما لحرفية هذه المعادلة من دقة؛ إذ ما هو العهر كمفهوم؟ أليس تحويل قيمة مقدسة إلى خدمة مدفوعة؟





تفكر بكل تلك المفاهيم ـــــ القيم، وأنت تطالع أوضاع أقلامنا ومعاناتها اليومية الدائمة. بمعزل عن الأزمات المالية لبعض المؤسسات وظواهر الصرف والقطع والقص. كم مرة سمعنا كلمات من نوع «استياء» أو «امتعاض» أو «عتب» أو حتى «غضب» حيال رأي أو مقال أو تغطية؟ وكم مرة وصلت تلك الكلمات إلى حد مفعول السيوف الحجَّاجية، فتقطف رؤوساً غالباً ما تكون هي الملأى، وتعفّ عن الفارغ منها؟ قبل أيام، دُفع قلم من الأكفأ والأنزه في مؤسسة عريقة إلى الاستقالة، لمجرد أن مسؤولاً كبيراً لم تعجبه «المانشيت» مرة أو مرتين. وكم مرة قبل ذلك القلم وبعده، دفع أمثاله الأثمان، لمجرد أن واحداً ممن تضغط جزمة سوداء على رأسه انزعج، أو آخر ممن تنتفخ رزمة خضراء في جيبه امتعض…


حتى إن قلماً يروي أنه ناشد أخيراً شربل نحاس ألا يستقيل، فقابلته فوراً وجوه مكروبة ومقلوبة، كأنه قد أقدم لتوه على تنفيذ «تهريبة»، أو قدم ملاذاً لخارج عن القانون أو مرتكب جنحة شائنة. فيما المعنيون الأساسيون بكل الإشكال الحاصل مع الرجل يؤكدون أنه قيمة أخلاقية أولاً، وعلمية وطنية ثانياً، من النوع، ليس النادر وحسب، بل المهدد بالانقراض حتى في هذه البيئة الحاضنة لكل فساد وإفساد.


وقبل يومين نشرت هذه الزاوية بالذات مقالة فرضتها ذكرى أليمة لجريمة نكراء، هي انفجار كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل قبل ثمانية عشر عاماً. كل ما حاولته هو عرض ثلاث قراءات وقائعية، من قلب الملف الذي أبقاه القضاء سراً بلا حقيقة، وزادته كل الظروف أسراراً من نوع المحرمات. مع أن كل أسمائه أحياء يرزقون، فيما تحت التراب شهداء على مذبح يستحق الحقيقة، ويستحقون. فكان ذلك كافياً ليُطلق إعلام رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع كمية من الشتائم والكلام الأكثر بذاءة، مما لا يخطر على بال آخر الرعاع، ولا يحضر إلا في مواقع هدر الدم وفتاوى القتل والسحل من أكثر الأفكار الظلامية اسوداداً. علماً بأن مطلقي هذا الكلام للمفارقة، من مؤيدي ثورات الحداثة والعصرنة وحريات الربيع وديموقراطيات مواسم الحسم والتنزيل…


قد تكون المسؤوليات فردية معزولة أو محدودة. لكن الظاهرة باتت عامة معممة، في طول البلاد وعرضها، عابرة لكل الاصطفافات والانتماءات، ما يفرض ربما إطلاق صرخة في وجه كل السياسيين، من دون استثناء: إذا كان بينكم من يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة، فليخبرنا أولاً، وليطلعنا على ما امتلك ثانياً تعميماً للفائدة. وإذا كان فيكم من يحسب نفسه معصوماً أو نصف إله أو فوق البشر، فليبلغ رعيته بذلك، لتتصرف على قاعدة حرية الاعتقاد أو الكفر. أما إذا كان بعضكم يعتقد أنه قادر على التهويل أو الترهيب أو التخويف أو ما شابه من ممارسات ستالينية، فواهم جداً، وليسأل من سبقه ممن كان يتمرغ على أعتابه مستضعفاً، قبل أن يتمرد عليه مستقوياً.


واجب على السياسيين أن يدركوا أن ثمة أقلاماً لا تملكها إلا ضمائر أصحابها، وثمة ضمائر لا تتملكها إلا الحرية في بحثها عن الحقيقة. أما الحقيقة فنعرف عنها الكثير الكثير، ونعرف أن ليست كلها صالحة للقول.