نوابنـا «أغنـى» عاطليـن عـن العمـل؟ – سعدى علوه – السفير


إذا ما سمعنا أن إنتاج النواب البالغ عددهم 128 قد اقتصر على إقرار 19 قانوناً تنظيمياً عام 2011، أي أن كل نائب قد شرّع مادة قانونية ونصف المادة فقط على مدى عام كامل، سيكون أحد التعليقات: «بعد احتساب التعويضات الشهرية للنائب، والتي تصل إلى 11 مليون ليرة لبنانية، يكون نوابنا أغنى العاطلين عن العمل، ليس في لبنان فحسب، بل في العالم». والحديث هنا ما زال يدور حول التعويض – الراتب ولم يصل إلى تكلفة التغطية الصحية (درجة أولى) لهم ولعائلاتهم، ولا لرواتبهم التي تستمر حتى بعد خروجهم من المجلس، وأحياناً لورثتهم من بعدهم.

ودراسة فريق عمل «المفكرة القانونية» الذي توصل إلى هذه الأرقام بعد رصد عمل المجلس النيابي على مدى عام 2011، لا تكتفي بـ«الكم»، بل تتخطّاه إلى «الحجم واللاعبين والتوجهات التي تعتري العملية الاشتراعية ككل».

وعبر حلقة النقاش التي نظمتها «المفكرة القانونية» بعنوان «الحركة الاشتراعية لعام 2011: أي حجم؟ أي لاعبين؟ وأي توجهات؟»، عرض المحامي غدير العلايلي عدد القوانين التي أقرها مجلس النواب خلال العام الماضي وانواعها. وأشار إلى أن البرلمان قد أقرّ 68 قانوناً تتوزع على 19 قانوناً تنظيمياً، وهي القوانين التي تأخذ جهداً اشتراعياً، فيما أقرّ 49 قانوناً آخر تتصف بـ«الرمزية (ثلاثة قوانين)، ومالية (خمسة قوانين)، وإجرائية (13 قانوناً)، وستة قوانين تلغي أو تعطل قوانين أخرى، و22 قانوناً تتعلق بمعاهدات واتفاقيات دولية وعربية ومع صناديق او منظمات خارجية.

وأكد العلايلي في حلقة نقاش «المفكرة» أن الرصد «اعتمد القوانين التنظيمية كونها تتطلب جهداً اشتراعياً، حيث القوانين المقرّة الأخرى لا تستدعي الجهد نفسه، بما أنها تأتي عامة، إما من مجلس الوزراء أو من الجهات الدولية التي تكون قد وضعتها (الاتفاقات مثلاً).

وينسجم رقم «المفكرة القانونية» مع دراسة تقويم أداء مجلس النواب التي أنجزها المحامي نزار صاغية عن السنة الأولى لمجلس النواب، عام 2005، إذ تبين أن المعدل الإنتاجي لكل نائب بين مادة قانونية ونصف مادة في العام كله.

وإذا كان أحد المصادر المطلعة على آلية عمل مجلس النواب قد اعترض على آلية احتساب عمل النواب وإنتاجيتهم بهذه الطريقة، مشيراً إلى ضرورة لحظ عمل النواب في اللجان النيابية واللجان المتفرعة عنها، فإن النائب غسان مخيبر، وهو عضو في مجلس النواب بالطبع، قد توصل إلى نتيجة تتقارب مع خلاصة «المفكرة»، عبر دراسة موثقة لعمل المجلس ونوابه. ويشير مخيبر في دراسة ينشرها على صفحته الخاصة على الانترنت عن «فعالية أداء مجلس النواب اللبناني»، إلى أنه «طوال 18 سنة، عقدت الهيئة العامة لمجلس النواب 86 جلسة فقط مخصصة للتشريع، و16 جلسة للأسئلة والاستجوابات و7 جلسات للمناقشة العامة»، ويخلص إلى الاستنتاج بقلة الوقت الذي يمضيه النائب بالتشريع في لبنان مقارنة مع برلمانات غربية أوروبية وأميركية، على الرغم من وجود نحو 300 مشروع واقتراح قانون في أدراج مجلس النواب.

ويؤكد مخيبر لـ«السفير» أن غالبية البرلمانات الغربية، ومنها الفرنسي والكونغرس الأميركي، تنعقد يومياً، فيما تخصص أيام الجمعة والسبت والأحد لمتابعة شؤون الناخبين في مناطق النواب، وللراحة. ويؤكد مخيبر على وجود مشكلة في الوقت الذي يمضيه النائب اللبناني في عمل اللجان النيابية وفي المجلس، وبعضهم يعتبر ذلك مضيعة للوقت».

ويسأل مخيبر عن موقف الناخب، فهل يرحب بالعمل الاشتراعي أم يقاصصه. ويشير مخيبر إلى أن «احد النواب يستخلص المعادلة الآتية من خبرته الطويلة: إن أداء الواجبات الاجتماعية لن تكسب النائب بالضرورة الأصوات في الانتخابات، إنما التخلف عنها سيخسّره الأصوات العديدة».

ويرى مخيبر أن «انتاجية المجلس ضعيفة لكون النواب لا يعتبرون التشريع ضروريا، ولكون عمل الهيئة العامة ليس مكثفاً واحياناً غير جدي». ويشير إلى أن لجنة الإدارة والعدل، وهي أنشط لجنة في المجلس، لا تجتمع سوى مرتين في الأسبوع ولمدة ساعتين في كل مرة».

ويعدد بعض معوقات العمل في المجلس عبر «انتظارات الناخب من النائب (التشريع أو الخدمات)، وقلة عدد موظفي المجلس المخصصين لمساعدة النواب، والنواب أنفسهم وثقافتهم ونظرتهم إلى مهماتهم ودورهم، إضافة إلى انشغال العديد من النواب بأشغالهم وأعمالهم الخاصة لأن القانون اللبناني لا يلزم النائب التفرغ لعمله النيابي والاشتراعي».

ويسأل عما يمنع مجلس النواب من الانعقاد خمسة أيام في الأسبوع على غرار برلمانات الدول المتقدمة الأخرى، «ولتبقَ أيام الجمعة والسبت والأحد للواجبات».

ويستخلص أن «لا مصلحة لأحد في انعقاد المجلس كهيئة عامة بصورة مكثفة كون سياستنا كواليسية، فنقل النقاش إلى الإعلام يجعله أكثر تشويقاً».

ويذهب مصدر مطلع في مجلس النواب في اعتراضه على آلية احتساب إنتاجية النواب إلى التوقف عند القوانين المهمة التي تستغرق دراستها في اللجان مثلاً سنوات كقانون الإيجارات، والدفاع والشفعة، على سبيل المثال، ولذا، وفق المصدر، يجب «دراسة فعالية القوانين وليس كمها فحسب».

ولكن، وكي لا يقتصر التقويم على كم القوانين، توقف صاغية عند «نوعية ما أقرّ من قوانين ومميزاته» ليشير إلى قلة الاستثمارات في ما أقرّ، بما أننا في لبنان من دون موازنة عامة، فإن أي استثمار لم تلحظه الموازنات السابقة يحتاج إلى قانون جديد. وبذلك، لم يصدر إلا ثلاثة قوانين جديدة (2011) لصرف موازنات للقيام باستثمارات معينة، علماً أن اثنين منها غير منتجين ومنها بناء سجنين جديدين، وترميم مبنى مجلس النواب.

ويلاحظ صاغية «أهمية العسكر في القوانين المقرة، إذ تم تخصيصهم بخمسة قوانين تتضمن منافع إضافية لهم، من أصل 46 قانوناً داخلياً». وتنسحب أهمية العسكر على الأوسمة الخمسة التي أقرت بقوانين أيضا، و«من بينها أربعة أوسمة للعسكريين، علماً أن الأوسمة في لبنان لا تشتمل على تعويض مالي باستثناء اوسمة العسكر، وهو ما يؤكد مراعاة المصالح العسكرية».

ولفت في قراءته القوانين إلى «تجنب الدولة تصديها للمصالح الاجتماعية، ومن بينها العلاقة بين المستأجر والمالك (قانون الإيجارات القديم الذي يتجدد مما يؤجل المشكلة ويبقيها في مكانها)، وكذلك قانون منع التدخين الذي أقرّ ولكن مع اللجوء إلى استعمال المهل (ستة اشهر للإعلانات وسنة للمطاعم). وقانون عودة اللاجئين إلى إسرائيل إثر تحرير عام 2000 يعكس التباين بين فكرة المواطن و«العميل»، ومحاولة حلّ المشكلة بضرورة محاكمة العملاء، وربط عودة العائلات بمرسوم لم يصدر بعد.

وتوقف صاغية عند «صراع آخر يتعلق بقانون الإتجار بالبشر وإقراره بالسرعة التي حصل بها، كأن المشرّع لم ينتبه إلى الصراع داخل القانون، ومن بينه مثلاً العلاقة بين رب العمل والعاملة الأجنبية في المنزل، وما يتيحه القانون من تعقب لمنتهكي حقوقها في هذا المجال».

ورأى أنه في القوانين الإجرائية لم يؤخذ بالاعتبار مثلاً ولدى تغيير اسم هذه القرية او تلك، بأهمية الاسم تاريخياً بل برمزية التعديل وحسب.

وركز في تحليله مضامين القوانين على «الشعبوية» الموجودة في جهد «نواب التيار الوطني الحر، والتي تتجلى مثلاً في نص قانون اللاجـــئين إلى إســـرائيل حيث استعملت كلمة إسرائيل في إحدى الفقرات ثم الأراضي المحتلة في فقرة أخرى، مما يدل على استهتار بالنـــص القانوني. وتبـــدو الشعبوية في قانون «الإرث لغــير المحمديين» الذي يخاطب الغرائز من دون خلفية اقتصادية ملحوظة».

وفي قانون إنشاء محميات طبيعية في الجنوب، رأى عدم وجود تناسب بين القوانين والحلول المرتجاة، إذ تم إقرار المحميات لمنع الكسارات، فيما لا تستوفي المواقع المعلنة الشروط اللازمة للمحمية.

وسجل بعض الحراك الاجتماعي والنسائي خصوصاً، والذي تجلى في إقرار قوانين المساواة في الضرائب على الإرث والانتقال بالنسبة إلى النساء، وإلغاء المادة 562 المتعلقة بجريمة الشرف. وسجــــل الحراك الــــناتج من قضية السجون التي أنتجت انتفاضتها إقرار ثلاثة قــــوانين بالإضافة إلى وضع خفض السنة السجــنية على نار حامية.

وأعطى صاغية مثل إقرار قانون الاتجار بالبشر الذي يحمي النساء الفنانات والعاملات في المنازل، ليقول إن «حساسية المشرّع في إقرار بعض القوانين كانت للخارج وللضغط الدولي ومنه السفارة الأميركية. ويأتي قانون النفط في الإطار الخارجي عينه (ومنه مسارعة إسرائيل إلى استثمار النفط في البحر)، وكذلك رفع سن التعليم الإلزامي من 11 سنة إلى 15 سنة الذي حدث تحت ضغط اتفاق حقوق الطفل الذي صادق عليه لبنان في التسعينيات، على الرغم من عدم إقرار المرسوم التنفيذي للتعليم الإلزامي منذ عام 1998.