جميعهم يستعدّون… ولكن متى الإنتخابات؟ – طوني عيسى – الجمهورية


خَلف جبل الأزمات المصيرية، تبدو ورشة الانتخابات النيابية مفتوحة على مصراعيها. وتخوض القوى السياسية «في السرّ» معارك تمهيدية لـ»تصفية» الخيارات… والمرشحين. وتتعارك علناً، أو تتفاوض، مع الحلفاء والخصوم على القانون الأفضل

الجميع مهتمّ بأمور انتخابية كثيرة، والمطلوب واحد: أن يكون هناك انتخابات نيابية سنة 2013. وثمة انطباع بأن القوى الداخلية تعمل للانتخابات وكأنها حاصلة غداً. فهذا أفضل لها من النوم على حرير تأجيل محتمل للانتخابات، قد لا يحصل، فتصيبها المفاجأة وتَغدُر بها.




أكثر من أي مرّة سابقة، هناك إرباك حول الانتخابات وقانونها. فليس هناك من قوة تُهيمن وتفرض الخيارات كما في المرحلة السورية، كما ليس هناك حتى اليوم "تحالف رباعي". وفي هذا الجو الضبابي، يحاول كل طرف اصطياد ما أمكن من مكاسب.

أول المستعجلين على ترتيب الوضع الانتخابي كان الفريق الذي يتولّى السلطة، منذ أن تمّ إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري في كانون الثاني الفائت. فقوى 8 آذار أرادت منذ اللحظة الأولى استثمار سيطرتها على الحكم لتضمن رأسها في الانتخابات النيابية المقبلة. فهي تدرك أنها مرشحة لفقدان حلفاء إقليميين قبل انتخابات 2013. كما أن تطورات المحكمة الدولية قد تجعلها في موقع ضعيف سياسياً وشعبياً. ولذلك، من الأفضل لها صياغة قانون يناسبها لهذه الانتخابات وتحضير أرضية تضمن لها الاحتفاظ بغالبية نيابية تأتي بحكومة 2013، وبرئيس جمهورية 2014 إذا أمكن.

في البداية، ضغط "حزب الله" والعماد ميشال عون باكراً لإنجاز قانون للانتخابات. لكن ذلك اصطدم بتضارب المصالح مع القوى الوسطية في الحكومة. ولم تكن النسبية مقبولة عند النائب وليد جنبلاط، تماماً كما عند تيار "المستقبل". ويريد كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أن يحفظ موقعاً له، فلا يكونان معاً بعد عامين خارج الرئاسة والحكومة والمجلس.

الثالثة بلا وصاية

ولا يبدو حظّ القوى المسيحية أفضل مع مشروع "اللقاء الأورثوذكسي". وتبيّن أن من الصعب تحقيق إجماع حوله. لكنه يصلح ليكون منطلقاً "عالي السقف" للمفاوضة، لأنه يستند إلى حيثيات مبرّرة. ولن يكون سهلاً اعتماد قانون 1960 مجدداً، ولا العودة إلى قانون الوزير السابق فؤاد بطرس، ولا مشروع وزارة الداخلية.

والأرجح أن الجميع ينتظر تبلور مصير سوريا ووضعية حلفائها في لبنان لحسم الملف. فالقوانين في لبنان، ولا سيما قوانين الانتخابات، تُصاغ إجمالاً وفق معادلة الأقوياء. وسوريا كانت غالباً اللاعب الأقوى. ومن المؤكد أن الانتخابات بقانونها وموعدها ستبقى داخل صندوق مُقفل إلى أن تكشف عنها تطورات الأزمة السورية وتداعيات المحكمة الدولية. والملفان لا يزالان قيد المخاض.

ولكن، واستثماراً للوقت، تتحرّك القوى لضمان ترتيبات المرحلة المقبلة: العماد عون يستدرك الثغرات المتزايدة في وضعيته، الدكتور سمير جعجع يمسك شخصياً بملف كسروان، الطاشناق مجدداً في "العمارة"، والكتائب في صدد ورشة لإدارة الاستحقاق.

هذا الحراك الانتخابي في خضم الأزمات المصيرية يبدو وكأنه "احتياطي"، لعلّ الاستحقاق تمّ في موعده. وفي أي حال، الانتخابات النيابية المقبلة هي الثالثة من دون الوصاية السورية. ويُتوقع أن تحمل المزيد من قدرة القوى الداخلية، ولا سيما المسيحية، على صياغة تموضعها وتحالفاتها ضمن هوامش أوسع. والدليل الأبرز على ذلك، هو عودة الطاشناق إلى مدّ الجسور مع نائب رئيس مجلس الوزراء السابق النائب ميشال المر، بعد ابتعاد فرضته ظروف المرحلة السابقة. وعلى الأرجح، ستكون الانتخابات المقبلة أفضل للمسيحيين من أي انتخابات نيابية منذ الطائف.

وقد يكون هناك توازن في القوة بين الشيعة والسنّة، يؤدي إلى عدم حسم الملف الانتخابي حتى إشعار آخر. لكن ذلك لا يمنع الطرفين من التحسّب المبكر والدائم للاستحقاق، عملاً بالقاعدة التي أرساها الإمام علي بن أبي طالب: "إِعملْ لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعملْ للآخرة كأنك تموت غداً"!