الحزم السعوديّ ودوافعه – نصير الأسعد – الجمهورية


كان الأسبوع الماضي أسبوعَ الموقف السعوديّ الحازم من الأزمة في سوريّا.

تجلّى ذلك بدايةً في ردّ خادم الحرمَين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز على اتصال الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف، منتقداً بقوّة «استثنائيّة» سياسة روسيّا حيال سوريّا، قائلاً له: كان عليكم التنسيق مع العرب قبل استخدام الفيتو، وأمّا وقد فعلتم فلا جدوى من الحوار الآن. وهذا الردّ الذي ينطلق من «مبادئنا الدينيّة والأخلاقيّة» كما قال الملك عبدالله، يقول لروسيّا وللعالم أجمع إنّ الموقف العربيّ هو السقف الذي عليكم التزامه.




ثمّ كان موقف وزير الخارجيّة السعوديّ سعود الفيصل في «مؤتمر أصدقاء سوريّا» في تونس. لم يقطع الفيصل العلاقة بالمؤتمر وببيانه الختامي حرصاً على بقاء «التواصل»، لكنّه انسحب معلناً أنّ محصّلة المؤتمر ما دون المستوى، مذكّراً بأنّ لإنقاذ الشعب السوريّ شروطاً سياسيّة في مقدّمها إسقاط نظام الأسد، وبأنّ «المساعدات الإنسانيّة» على ضرورتها لا ترقى إلى مستوى الكارثة التي يواجهها الشعب السوريّ وثورته. ومرّة ثانية ترفع المملكة معادلة أنّ الموقف العربيّ هو السقف الذي يجب احترامه، وأنّ هذا الموقف يتضمّن خروج بشّار الأسد من السلطة.

ووفقاً لهذه المعاني، فإنّ الموقف السعوديّ ليسَ مجرّد «نخوة» باتجاه السوريين وليسَ مجرّد اعتبار أخلاقي – إنسانيّ إزاء أنهار الدماء في المناطق السوريّة كافة، بل هو موقفٌ احتجاجيّ – اعتراضيّ على «الحسابات» الدوليّة (وقد أظهرت المواقف الأميركيّة والأوروبيّة ميوعة وتباطؤاً ملحوظَين في الآونة الأخيرة، وبَدت أنّها تنطوي على قدر من تقطيع الوقت)، كما إنّه موقفٌ تفاوضيّ، أي يؤسس لتفاوض جديد بين المملكة ودول الخليج عن العرب وبينَ المجتمع الدوليّ.

وأكثر من ذلك.

فالموقف السعوديّ إلى جانب الثورة السوريّة، هو إعلان مواجهة ليسَ مع نظام الأسد وحسب، بل هو إعلانُ مواجهة مع حليفه النظام الإيرانيّ بالدرجة الأولى.

ففي ظلّ معرفة إيران بأنّ الموقف الدوليّ، الأميركي والأوروبيّ تحديداً، رسمَ حدودا للضغوط عليها ليحصر هذه الضغوط في المجالات السياسيّة والديبلوماسيّة والاقتصاديّة حتىّ إشعار آخر، معلناً أنّ ما يتجاوز ذلك ليسَ خياراً راهناً، أخذت طهران «نفساً» جديداً لـ»استئناف» تدخّلها التفجيري في جوارها، أي في شبه الجزيرة العربيّة والخليج، ولتهدّد جدياً استقرار دول تلك المنطقة.

من هنا، فإنّ الموقف السعوديّ يعبّر عن نفسه بهذا القدر من الصرامة والتشدّد على خلفيّة خطرَين متلازمَين. خطرُ تمكين نظام الأسد من مواصلة إبادة الشعب السوريّ، وخطرُ تمكين إيران من أقلمة الصراع وتوسيعه انطلاقاً من أقلمة أزمة النظام في سوريّا. وكلّ ذلك بسبب تردّد المجتمع الدوليّ وسياسة الوقت.

بكلام آخر إنّ الملك السعوديّ ووزير خارجيّته يدقّان ناقوس الخطر.

إنّهما يخاطبان العالم أجمع بأنّه لا يجوز السماح لنظام ساقط على أيدي شعبه ولا يحتاج سقوطه «الرسمي» إلّا إلى قدر من الهمّة الدوليّة، ولنظام مأزوم في إيران، بأن يستغلاّ تردّداً معنياً ليضعا المنطقة والعالم في دائرة الخطر.

إنّهما يقولان إن لا رجعة إلى الوراء في دعم الثورة السوريّة. ويقولان إنّ «مؤتمر أصدقاء سوريّا» إذا كان له أن ينعقدَ ثانيةً في إسطنبول محكوم بالانتقال من «الإغاثة» إلى السياسة بكلّ وسائلها.

سيكتشف العرب جميعاً، واللبنانيون في ما يعنيهم، أنّ الموقف السعوديّ الحازم هو موقفٌ صحيح، بل هو يقرأ المنطقة واحتمالاتها المستقبليّة جيّداً.