دولة العصابة ٧ : حرب التكريس – د.أحمد الشامي


اﻷسد أصبح الزعيم اﻷوحد بلا منازع للجمهورية العربية السورية بعد "حركة" صححت وضعه قبل أي شيء، بقي عليه أن يرسي أساسات متينة لنظامه. السوريون رضوا أساساً بالحكم العسكري أساساً لخوفهم من ٳسرائيل وعدوانيتها، حالمين بتحرير فلسطين يوماً ما فلم لا يمنحهم حرباً رابحة ؟ الحرب حسب كلاوزفيتز هي "استمرار للسياسة بوسائل عنيفة" لكن الحرب التي تناسب اﻷسد هي حرب " اورويلية " قياساً على رواية "جورج اورويل  " الصادرة عام 1949 و المعنونة "1984".

اورويل تصور عالماً تتقاسمه ثلاث كتل كبرى تتحارب فيما بينها و تتواجه في حرب أزلية. تتصارع هذه الكتل نظرياً وتتنافس على تقاسم مناطق نفوذ باقية في العالم. تطبق كل من هذه الكتل سياسة توتاليتارية داخلية صارمة قائمة على "أخ أكبر" هو "أب قائد" كلي القدرة و واسع الاطلاع على كل ما يدور حتى في عقول مواطنيه. كل واحدة من هذه الكتل تعطي تسمية مختلفة لنظامها لكن اﻷنظمة الثلاثة تتشابه لحد التطابق في أهدافها النهائية و في أساساتها الفكرية القائمة على ٳلغاء الحرية ومصادرة كل فكر مستقل ومحو الفرد.

في نهاية الرواية (الممنوعة في سوريا ) يكتشف بطلها أن ليس هناك من حرب ولا من يحاربون. ليس هناك من معارك ولا حتى صراع حقيقي على النفوذ ﻷن هذه الكتل قد تقاسمت فعلياً النفوذ على باقي بلاد اﻷرض. كل واحدة من هذه الكتل حافظت على حالة التعبئة والحرب المعلنة و الغير واقعة أصلاً لا لشيء ٳلا ﻹبقاء مواطنيها في حالة من الرعب و الخوف الدائمين ، من الآخر الغريب ومن بعضهم. حالة الحرب هذه سمحت بٳدامة الطغيان و كانت جد مناسبة للطغاة على عكس المواطنين المساكين المرعوبين من كل شيء. المواطنون، رعايا هذه الدول، يخافون من الوقوع في براثن الاحتلال اﻷجنبي، من الاتهام بالعمالة لهذا اﻷجنبي، من أن يوصموا بالتخاذل و بوهن عزيمة اﻷمة في معاركها المصيرية. باختصار، يخافون من ظلهم و من الحياة ذاتها.

اورويل بنى روايته على حرب حقيقية، نووية، افترض أنها ستجري عام 1950. بدل أن تضع هذه الحرب نهاية للوجود البشري، كانت مناسبة للكتل الثلاثة كي تدعي كل منها أنها "انتصرت" في هذه الحرب على أعدائها، لكن الظروف لم تسمح بتحقيق انتصار نهائي على العدو ينهي حالة الحرب، لذلك لا بد من مواصلة القتال و الصمود حتى تحقيق النصر التام على اﻷعداء. هذا النصر الذي لن يحصل أبداً ﻷنه سيضع حداً لوجود الطغيان ذاته. ٳنها "أم المعارك" في طبعتها الاورويلية والتي لن تقع أبدأً.

هل كانت رواية اورويل في ذهن اﻷسد حين خطط، مع أنور السادات، للهجوم على ٳسرائيل؟

هناك احتمالان لا ثالث لهما لتفسير وقوع هذه الحرب ومبادرة العرب بالهجوم على ٳسرائيل: اﻷول هو أنها حرب حقيقية وشاملة هدفها تحرير اﻷرض و رد الصاع صاعين لدولة الصهاينة. الآخر هو أنها حرب "تحريك" كما صرح السادات علناً منذ البداية و حتى آخر لحظة.
ماذا تعني حرب التحريك ؟ ٳنها تعني تذكير العدو والعالم بوجود أرض محتلة وبوجود شعب يعاني ويرفض أن يعاني لوحده، يريد من العالم أن يهتم به وبقضيته و أن يجد حلاً ﻷزمة ساهم العالم بشرقه وغربه في خلقها.

ٳن كانت حرب تشرين حرباً مفتوحة فهل كانت الظروف مهيأة لها و هل كان في اﻹمكان شن حرب شاملة على ٳسرائيل عام 1973؟

على الجانب المصري يجب أن لا ننسى أن حرب الاستنزاف على طرفي قناة السويس، والتي استمرت ثلاث سنوات بين 1967 و 1970 كانت قد لقنت الاسرائيليين درساً حول صعوبة الاحتفاظ بسيناء على المدى الطويل و الكلفة المرتفعة للاحتفاظ بقواتهم على طول خط "بارليف" ٳضافة ٳلى ضرورة مراقبة كل شواطئ سيناء خوفا من تسلل الفدائيين. قبول "عبد الناصر" بمبادرة "روجرز" لوقف ٳطلاق النار لتسعين يوماً في الثامن من آب 1970 وضع حداً لهذه الحرب التي كانت اﻷصعب على ٳسرائيل والتي سمتها "حرب اﻷلف يوم". هذه الحرب هي المثال الحالي للمقاومة بما فيها حزب الله (يوم كان يقاوم…) . مات "عبد الناصر" قبل انتهاء وقف النار وخلفه السادات الذي احترم هذه الاتفاقية.

حدث عكس ذلك في الجبهة الشمالية، فالجولان ظل هادئاً هدوء الموتى منذ احتلاله في حزيران 1967، باستثناء بعض العمليات الفدائية من تسلل وهجوم، لاقت بعض التشجيع من قبل "صلاح جديد" و رفضاً قاطعاً من قبل اﻷسد. مع وصول اﻷسد ٳلى السلطة، توقفت عمليات المقاومة بشكل شبه كامل. كل شيء كان هادئاً على الجبهة الشمالية رغم وجود عشرات الآلاف من نازحي الجولان اكتفى النظام بإسكانهم في ضواحي دمشق الفقيرة مع وعد مبهم "بأن يعودوا يوماً ٳلى ديارهم".

في مصر، أنور السادات الفاقد للكاريزما وللمشروعية و الذي ورث الهزيمة ، لم يكن في وارد ٳعادة الشروع في حرب الاستنزاف ولم يكن يقبل باستمرار الوضع على ما كان عليه. الدولة المصرية والمؤسسة العسكرية المصرية التي تعود أصولها اﻷولى ٳلى الخديوي "محمد علي" حافظت على استقلالية الجبش و ابتعاده عن السياسة، وهو ما أنقذ مصر من الوقوع في براثن الحرب اﻷهلية و اضطر "حسني مبارك" للاستقالة عام 2011. الحرب المحدودة التي تعيد السيطرة المصرية على جزء من سيناء و تعيد فتح قناة السويس أمام النقل البحري ومعها موارد مالية مصر بأمس الحاجة لها، كانت ضرورة ملحة للسادات ونظامه

الحرب كانت ٳذا حتمية الوقوع، أقله على الجبهة المصرية. هذه الحقيقة كانت واضحة للجميع خاصة للأسد، الذي وجد الفرصة سانحة لصفقة جديدة ربما.

ٳسرائيل من جهتها كانت قد استكانت للضعف العربي وللانقسام المزمن بين أعدائها، لكنها كانت تدرك أن جبهة سيناء بعيدة عن مراكزها السكانية و عالية الكلفة العسكرية، دون مردود سياسي أو اقتصادي، على عكس الجولان الغني بترابه ومائه. من جهة أخرى، تل أبيب تبعد 152 كم فقط عن مجدل شمس، و بخط نظر، بالكاد 100 كم. الخطر القادم من الجولان أكبر بكثير منه من الجبهة المصرية. في سيناء، سيكون على القوات المصرية عبور سيناء بصحرائها وسيتم التعامل معها من الجو. لا خطر وجودياً على ٳسرائيل من الجبهة المصرية على عكس الجبهة الشمالية.

مع ذلك، كانت التحصينات الٳسرائيلية في الجولان أضعف منها في سيناء ! فخط "آلون" ليس خط "بارليف" ولم تكن هناك خنادق مملوءة بالنفط و لا ما يعادل العقبات التي واجهها الجنود المصريون اﻷشاوس…

لكي لا يفهم أحد خطأ أن جهود الجنود السوريين اﻷبطال و تضحياتهم لم يكن لها معنى، فالحرب كانت حقيقية و الجنود الذين شاركوا بها قاموا بتضحيات لا تجارى، مع ذلك كانت هذه الحرب محدودة وأدارها الأسد بأسوأ الطرق. لماذا كانت الحرب المفتوحة مستحيلة ؟

أولاً ﻷن ٳسرائيل كانت قد أصبحت دولة نووية قادرة على محو أعدائها الذين لم يكن بحوزتهم أي سلاح قادر على مواجهة القنابل الذرية، لا سلاح كيماوي ولا حتى بيولوجي في سوريا ، هذه البرامج سيتم تطويرها فيما بعد، ليس قبل أواخر السبعينات مع مركز الدراسات والبحوث العلمية التابع للقيادة العامة للجيش والقوات المسلحة السورية.

كيف يمكن لدولة تسليحها تقليدي ومحدود، ليست محمية بمعاهدات وليست عضواً في حلف وارسو و لا تتلقى سوى أسلحة روسية محددة سلفاً، أن تهاجم دولة نووية ؟

كان مفهوماً أن يتبع النظام السوري النموذج الفيتنامي مثلاً لتحرير أرضه وللوصول لتوازن عسكري معقول مع العدو اﻹسرائيلي، لكن اﻷسد كان سيضطر حينها للخضوع لمتطلبات السوفيت وهو ما لم يكن يريده. الجيش السوري "العقائدي" كان قد تم "تنظيفه" من كل الضباط الشرفاء وذوي الخبرة، "ٳلا من رحم ربك " فكيف لجيش تعرض لتصفيات منذ نشأته أن يحتفظ بكوادره المؤهلة بل وأن يحارب عدوا في جيشه ضباط محترفون خاضوا عدة حروب منذ الحرب العالمية الثانية ؟

من جهة أخرى، حرص اﻷسد على عدم نقل المعركة بأي شكل كان ٳلى أرض العدو و هكذا "ضرب عصفورين بحجر" فهو راعى "الحساسية " اﻹسرائيلية تجاه راحة مدنييها و لم يعط عذراً ﻹسرائيل لاستعمال سلاحها النووي أو لضرب نظامه بعنف، لكون المعارك كلها كانت تدور خارج الحدود اﻹسرائيلية. الاستثناء الذي يؤكد احترام اﻷسد لراحة بال سكان المدن في ٳسرائيل هو غارة يتيمة، وفاشلة، قام بها الطيران السوري على مصفاة حيفا بعد تدمير إسرائيل لخزانات النفط في عدرا.

اﻷسد أعاد في حربه الجولانية نفس "الخطأ " الذي ارتكبه حين أرسل قواته بتحريض من "زملائه السابقين " عام 1970 ٳلى اﻷردن ، ولكن دون غطاء جوي ! الدبابات السورية، والتي كانت حينها تقوم بما يجب أن تقوم به في الجولان وليس في درعا أو حمص، ابتعدت كثيراً عن غطائها من الدفاعات الجوية. بفضل "حنكة" الأسد وبراعته العسكرية خسرت سوريا 700 دبابة تم استهدافها من الجو واصطيادها بسهولة، من أصل 1300 دبابة شاركت في الهجوم. اﻷسد دخل هو وحروبه ٳلى الأكاديميات العسكرية فمعارك اﻷسد يتم تدريسها هناك، لا لكي تكون مثلاً يحتذى ولكن كمثال على ما لا يجوز فعله! حرب تشرين على الجبهة السورية تُعطى كمثال على التضحية بالرجال والعتاد عبثأ ودون جدوى.

التجريدة المغربية و القوات العراقية لم "تغامر" مثلها مثل القوات السورية التي تأتمر بأمر اﻷسد. الأسد، المتآمر المحترف، لكن العسكري الهاوي قليل الخبرة، أعاد نفس الخطأ مرتين ونجح في خسارة حرب كان "محسوباً" له أن لا يخسرها على اﻷقل. أكثر من ذلك، فكفاءة اﻷسد وصلت لدرجة فتح ثغرة في دفاعاته سوف تُعرف فيما بعد "بجيب سعسع" . القوات اﻹسرائيلية الغازية ستمر عبرهذا الجيب لتقترب من دمشق. لولا بطولة عقيد، من الطائفة العلوية بالمناسبة، اسمه "علي جحجاح" كان قائداً للواء السبعين والذي صد هجوم اﻹسرائيليين في سعسع، لكان اﻷسد قد "تبهدل" مثلما كان يخشى وربما أكثر.

العقيد "جحجاح" صد هجوم اﻹسرائيليين وصمد لحين وصول اﻹمدادات العراقية التي ساهمت في الحد من هزيمة اﻷسد. هذا العسكري الشريف والبطل قضى بعد أقل من ثلاثة أعوام في ظروف غامضة وخلفه العميد سيء الذكر "شفيق فياض" في قيادة الفرقة الثالثة.

ٳسرائيل ما كانت لترغب في اجتياح دمشق، المدينة المليونية، على أي حال، ولا كانت تريد السيطرة على ضواحي المدينة حيث يتواجد نازحو الجولان والذين قد ينتهزوا فرصة وقوعهم تحت السيطرة اﻹسرائيلية للعودة ٳلى المنازل التي تركوها في الهضبة المحتلة. ٳسرائيل كانت ترغب بأن تُظهر للأسد من هو صاحب اليد العليا و أن تريه أنه تحت رحمة قواتها، وبالمناسبة سوف تحسن من وضعها على اﻷرض في أي مفاوضات مقبلة.

آلاف الشهداء والجرحى، أبطال حقيقيون و رجال بواسل عز مثيلهم دفعوا حياتهم ودماءهم للذود عن حمى وطنهم، آلاف المشوهين ومليارات من الدولارات ذهبت هباء من أجل أن يمارس اﻷسد هواية الحرب التي لا يتقنها. في مصر، تم عزل الشاذلي، قبله انتحر "عبد الحكيم عامر" الذي خسر حرب حزيران.

كل العسكريين يعرفون ثمن الفشل ويدفعونه بٳباء، ٳلا اﻷسد، فهو كلما فشل ترقى ! اﻷسد، رئيس سوريا الذي فشل في حرب محسوبة سلفاً، سوف يترقى، ليس قبل "حرب استنزاف " دامت حتى وصول العراب اﻷمريكي "كيسنجر" في جولات مكوكية ، سوف تنتهي بتكريس اﻷسد حاكماً مطلقاً للشام و"ما بعد الشام". سيصبح الأسد رجل "المرحلة " اﻷوحد