زياد ماجد : يجب التمييز بين 14 آذار اللحظة السياسية والتحالف..الدولة المدنية هي الحل..لا أمل لنظام الأسد في الإستمرار

خاص – بيروت أوبزرفر




 

اعتبر الكاتب والأستاذ الجامعي اللبناني المقيم في باريس زياد ماجد أن حزب الله ماضٍ في دعم نظام الأسد الى أن تقتنع طهران بأن سقوطه صار وشيكاً

ماجد وفي حوار خاص مع بيروت أوبزرفر اعتبر ألا أمل لنظام الأسد في الإستمرار في مواجهة الشعب السوري، فقاعدة النظام الإجتماعية تضيق يوماً بعد يوم، والعقوبات الاقتصادية عليه تخنقه ولو ببطء (ولن تكفي مع الوقت مساعدات إيران المالية والصفقات مع العراق لإنقاذه)، وجيشه يُنهك وتتزايد الانشقاقات فيه وحالات الفرار من الخدمة وعدم الالتحاق بالمعسكرات الى تصاعد

وعن ضياع إنجازات 14 آذار ميّز ماجد بين 14 آذار 2005 اللحظة السياسية و14 آذار التحالف السياسي، مشدداُ أن هناك أسباب عدة ساهمت في هذا الضياع

وعن الحل للنهوض بالأزمة السياسة المزمنة التي تعصف بلبنان أكد ماجد أن الحل هو "العلمنة" أو الدولة المدنية، وهو الشعار الواجب طرحه، لأنه لا يسمح لطائفيين بالإحتماء خلفه بل يُحدث فرزاً في المجتمع السياسي على أسس غير طائفية

وعن تموضع النائب وليد جنبلاط في المعادلة السياسية اعتبر أن النائب وليد جنبلاط اقتنع في 7 أيار 2008 أن الوضع في لبنان ذاهب الى انفجار كبير نتيجة قرار حزب الله استخدام السلاح في الداخل لحسم الأمور بعد عجزه عن الفوز سياسياً

 

وفي ما يلي نص الحوار الكامل

 

من هو المسؤول عن ضياع إنجازات ١٤ آذار

يفيد ربما التمييز بين 14 آذار 2005 كلحظة سياسية، و14 آذار كتحالف سياسي. فاللحظة السياسية كانت إستثنائية في التاريخ اللبناني، لجهة الاحتشاد السلمي الرائع في بيروت مطالبة باستقلال البلد وسلامه. كانت لحظة "ربيعية" (بلغة اليوم)، بمعزل عن التكوين الاجتماعي والطوائفي للمشاركين فيها وما يعكسه من واقع لبناني لا يمكن نفيه أو القفز فوقه. أما التحالف السياسي، فهو إطار جمع قوى شاركت بفاعلية في إنجاح اللحظة الآذارية تلك، لكنها أسّست عليها طموحات مختلفة وأوهاماً مختلفة أيضاً. على أن المشترك بينها كان افتقارها المشروع المتكامل للدولة خارج إطار الشعارات، والعجز عن الخروج من الاصطفاف المذهبي الذي ساهم حزب الله بدفعها إليه، من خلال دفاعه عن النظام السوري ووضعه إنجاز التحرير من الاحتلال الاسرائيلي (الذي كان له الدور الأكبر في صناعته) في مواجهة الانجاز الاستقلالي من الهيمنة المخابراتية السورية (الذي أنجزته قوى 14 آذار). أكثر من ذلك، طغت الثقافة السياسية الطائفية على وعي القسم الأكبر من جمهور هذه القوى، فتلاقت بالتالي مع حزب الله في تكريس القسمة التي أرادها، والتي نجح لاحقاً – بعد كسبه الوقت عبر التحالف الرباعي الانتخابي – في تعميقها، وفي ربح قاعدة التيار العوني الى صفوف تحالفه، وليس قيادة التيار فحسب (على ما ظلّت قوى 14 آذار تردّد)، محقّقاً بذلك تعديلاً مهماً للغاية في التوازنات الداخلية اللبنانية

 

وما جرى بعد العام 2006 أظهر أن الأمور غير قابلة للتعديل وأن الأزمة شلّت المؤسسات، وصار "النظام التوافقي" عاجزاً عن معالجتها لأنه أصلاً صُمّم لتفادي ما يُشبهها

وبالطبع لا نستطيع إغفال عوامل أربعة كان لها تأثير كبير على مسار الأحداث بعد اليوم الربيعي المشهود

 

هجوم النظام السوري الضاري على 14 آذار بواسطة الاغتيالات التي استهدفت رموزاً منها أو قريبة إليها

حرب تموز 2006 وما بيّنته من هشاشة وطنية خطيرة عند مختلف الأطراف،

سلاح حزب الله الذي شكّل على الدوام تهديداً رمزياً، قبل أن يصير مادّياً كانون الثاني 2007 ثم أيار 2008

والصراع السعودي الإيراني على النفوذ في لبنان وأثره على الكتلتين السنية والشيعية عبر تيار المستقبل وحزب الله

 

هل سيحلّ الربيع العربي في لبنان مجدداً، بمعنى أقرب إلى الربيع العربي الذي اجتاح البلدان العربية، فيؤدّي مثلاً الى توحد الشعب لإسقاط النظام الطائفي وتغيير الطبقة السياسية بأكملها

لا أظنّ ذلك لعدّة أسباب

السبب الأول أن لبنان يختلف عن سائر البلدان العربية في نظامه السياسي وتركيبته الديموغرافية – الطائفية. والنخبة السياسية فيه، بمعزل عن تقييمنا لها، تملك مشروعية شعبية حقيقية. كما أن التوازنات الطائفية تمنع استئثاراً بالسلطة، لكنها في المقابل تتيح هيمنة داخل كل طائفة. وهذه الهيمنة لا تدفع المُهيمَن عليهم الى التوحّد لتشكيل قطب مواجهة، لشعورهم بالعجز أولاً ولخلافاتهم السياسية ثانياً، ولقدرة القوى الكبرى على تحييدهم عبر استقطابات تطالهم ثالثاً. ثم يأتي قانون الانتخاب ليقضي على احتمالات نهوضهم، إذ هو قائم على أساس النظام الأكثري البسيط في الدوائر المتوسّطة (وأحياناً الكثرى)، مما يؤدّي الى تكريس نفس النخب في كل دورة

السبب الثاني، أن خلافات اللبنانيين حول موقع بلدهم في المنطقة صارت في صميم اللعبة السياسية، ويمكن اعتبارها عنصراً داخلياً يساهم في تشكيل التحالفات الطائفية وغير الطائفية. وهذا ينعكس على المجموعات المعارضة للوضع الراهن أو تلك العازفة عن خوض غمار السياسة، ويُبقيها مختلفة في ما بينها وعاجزة عن التوحّد، ولك خير مثال في الموقف من الثورة السورية

أما السبب الثالث، فهو أن شعار إسقاط النظام الطائفي هو شعار قاصر. فثمة قوى طائفية – وأحياناً طائفية ودينية – تختبئ خلفه لتهوّل على قوى آخرى (مستقوية بالديموغرافيا)، وهذا يعكس عمق ثقافتها الطائفية. وثمة تيارات غير طائفية تطرحه، لكنها تنتقي من القوى الطائفية وقادتها أشخاصاً تبرّئهم من الطائفية وتجعلهم خارج مطالب الإسقاط

أعتقد أن شعار "العلمنة" أو الدولة المدنية، هو الشعار الواجب طرحه، لأنه لا يسمح لطائفيين بالاحتماء خلفه بل يُحدث فرزاً في المجتمع السياسي على أسس غير طائفية، حتى حين تكون المواقف ذات صلة بالقضايا الإقليمية والدولية مختلفة. كما أنه شعار يصيب قضايا هامة جداً يجري على الدوام تهميشها، مثل قضية حقوق المرأة – إن لجهة حقّها في المواطنة ومنحها الى زوجها غير اللبناني وأبنائها، أو لجهة اعتماد قوانين مدنية للأحوال الشخصية تحميها من اضطهاد مجمل التشريعات المذهبية لها

لكن لنكُن أيضاً بلا أوهام. الموافقون على العلمنة مدخلاً للبحث السياسي الإصلاحي هم أقلّية في لبنان، وأقصى ما يمكنهم فعله اليوم هو تشكيل قوة ضغط، للمطالبة المنظّمة بالإصلاحات، وهذا في ذاته إن حصل إنجاز كبير

ما تقييمك لإيقاع الرئيس ميقاتي أكان في تمويل المحكمة أو في موقف الحكومة من المجريات على الساحة السورية

الرئيس ميقاتي يعرف أنه أتى نتيجة لحظة إقليمية درامية قرّرت فيها دمشق وطهران طيّ صفحة اتفاق الدوحة وإخراج الرياض من المعادلة اللبنانية، من خلال إخراج الرئيس الحريري، من دون "كسر الجرّة" كاملة معها. من هنا كان خيار ميقاتي خياراً يُبقي على شعرة معاوية. كما أنه كان الخيار الوحيد الذي يضمن لمعسكر حزب الله الأكثرية الجديدة، إذ أن النائب جنبلاط ما كان ليسير بسهولة في خيار أكثر تصادميّة. على هذا الأساس، يعرف الرئيس ميقاتي أنه باق في المرحلة الحالية، ويستطيع أن يعاند شركاءه في السلطة التنفيذية إن "حشروه" كثيراً متحجّجاً بالمزاج العام في طائفته، وبضرورة عدم قطع علاقات لبنان مع العالم، ويعرف سلفاً أن لا دمشق ولا طهران يقدران في اللحظة الراهنة على تشكيل حكومة جديدة إن استقال أو أُطيح به. لذلك يحاول اللعب ضمن المساحة الرمادية حتى تنجلي الأمور مستغلّاً عجز حزب الله والتيار العوني عن تنفيذ تهديداتهما، وعجز من تبقّى في 14 آذار عن أخذ أي مبادرة جدّية

أما الموقف الرسمي من المجريات على الساحة السورية، فهو يعكس التوازنات الملتبسة التي أشرت إليها. على أن ما ينبغي تسليط الضوء عليه هو الممارسات الأمنية ضد المعارضين السوريين في لبنان أو الهاربين من جرائم النظام السوري إليه. فهي ممارسات إرهابية وأحياناً إجرامية وتنتهك أكثر من معاهدة دولية وقّع عليها لبنان ونصّت على احترامها مقدّمة الدستور. وعلى الحقوقيين أن يقولوا ما إذا كان ممكن رفع دعاوى قانونية ضد بعض الأجهزة نتيجةً لهذه الممارسات والانتهاكات

أين يقع وليد جنبلاط في المعادلة السياسية وإلى أين سيؤول حراكه برأيك

أعتقد أن النائب وليد جنبلاط اقتنع في 7 أيار 2008 أن الوضع في لبنان ذاهب الى انفجار كبير نتيجة قرار حزب الله استخدام السلاح في الداخل لحسم الأمور بعد عجزه عن الفوز سياسياً. وأَعتقد بهذا المعنى أن جنبلاط كان يتمنّى خسارة قوى 14 آذار للانتخابات عام 2009، ليريح نفسه من أي عملية إعادة تموضع سياسي، لأن وصول حزب الله الى قيادة السلطتين التشريعية والتنفيذية كان ليطمئن الحزب من جهة ويخفّف من جهة ثانية وطأة الهجوم الأمني المخابراتي السوري. وبالمناسبة، ليست صدفة أن جميع الاغتيالات السياسية توقّفت في لبنان في العام 2008، عقب اتّفاق الدوحة وتطبيع فرنسا ودول الخليج مع دمشق ثم تطبيع واشنطن معها… لكن فوز 14 آذار الكبير في الانتخابات فاجأ جنبلاط، ودفعه الى إعادة حساباته، واعتبار أن انتقاله الى موقع وسطي يحرّره من أعباء مواجهات عائدة (بعد هدنة الدوحة) نتيجة هزيمة حلف حزب الله – دمشق انتخابياً. وبالفعل، هذا ما جرى، وانتظر جنبلاط الى أن فرضت السعودية على الرئيس الحريري مصالحة الرئيس السوري، فزار بدوره دمشق مُصالحاً. لكن أسلوب جنبلاط وعباراته الحادّة تدفعه على الدوام الى مبالغات لفظيّة أكثر منها سياسية، وتُفقده تفهّم أو ودّ قسم من المواطنين. ثم كان تهديد حزب الله ب8 أيار جديد في مطلع العام 2011، حين توتّرت الأمور وانتهى مفعول المصالحات الإقليمية، فقرّر جنبلاط مغادرة الوسطية الى موقع الحليف لحزب الله ودمشق

على أن الرجل أعاد التمركز في الوسط مرة جديدة بعد وصول براعم الربيع العربي الى سوريا، وفهم أن النظام في دمشق ضعُف كثيراً، فآثر التمييز في علاقاته بين حزب الله والقيادة السورية، بحيث أخذ مسافة من الثانية من دون أن يقطع مع الأول، كما صار مع رئيسي الجمهورية والحكومة في حلف له وزنه داخل الحكومة

 

ألا ترى أن موقف المثقفين والناشطين اللبنانيين معيب بشكل أو بآخر مما يجري في سوريا

أعتقد أن أكثر المثقّفين والناشطين اللبنانيين مقصّرين تجاه ما يجري في سوريا. وذلك نتيجة الخوف أو العمى السياسي أو الإصرار على العيش في ذاكرة الحرب الأهلية وفي عنصرية لم تميّز لا ماضياً ولا حاضراً بين الشعب السوري والنظام المتسلّط عليه منذ ما قبل تسلّطه علينا وعلى الفلسطينيين. وأنا هنا لا أتحدّث عن تلك الفئة من اللبنانيين الموالية لنظام دمشق لأسباب نفعية أو نتيجة تحالف قادة طوائفها مع آل الأسد، أو لأسباب رقيعة لها علاقة بما يُسمّى ممانعة أو خوف أقلّيات. فالفئة هذه، بأكثرية مكوّناتها، لا تستحق البحث في مقولاتها.

على أننا لنعدُل، يجب أن نقول أيضاً إن القلّة من المثقّفين والناشطين اللبنانيين المتضامنين مع الشعب السوري في ثورته العظيمة التي نشهد، هي قلّة تحاول كل ما في وسعها للتعبير عن تضامنها ودعمها لأكبر معركة تحرّر وطني من نير الاستبداد تُخاض في هذه المنطقة من العالم

بعيداً عن التمنيات إلى أين يتجه المشهد السوري؟ و إلى أي مدى سيذهب حزب الله في دعمه للنظام السوري

كنا ندرك منذ البداية أن الثورة في سوريا لن تكون كباقي الثورات العربية، لأن النظام السوري هو الأكثر وحشية واستبداداً وفساداً وخبرة في أساليب القتل والقمع بين أنظمة العرب. كما أنه الأكثر نشاطاً مخابراتياً وإعلامياً بالتنسيق مع حلفائه الإقليميين، مما يؤمّن له مريدين أو مدافعين عنه في أكثر من بلد ومنبر. وهو الى ذلك مستفيد من منظومة ثقافية سياسية سادت لعقود في منطقتنا، مفادها أن كل من يشتم أميركا وإسرائيل يحصل على شعبية، فكيف والشتّام متحالف مع حركتين لا تكتفيان بالشتم، بل تستخدمان الرصاص أحياناً (أي حزب الله وحماس)؟

 

على أن ما لم نكن ندركه، لا نحن ولا غيرنا، هو أن يكون الشعب السوري على هذا القدر من الوعي السياسي ومن الشجاعة الاستثنائيّين، فيثور ويواجه آلة القتل بتصميم فولاذي وبإرادة لا انكسار فيها، هازئاً من كل مقولات "الممانعة" ورافضاً الاستمرار في التضحية بكرامته وحرّيته في سبيل شعارات جوفاء

وها نحن ندخل الشهر العاشر للثورة السورية، المضرّجة بدماء 6000 شهيد وعذابات عشرات ألوف الجرحى والمعتقلين واللاجئين والمشرّدين والمتخفّين، ومع ذلك، ما زالت المظاهرات تعمّ المناطق السورية، وما زالت الأفكار الخلّاقة وأشكال التعبير الفنّي وروح السخرية المرّة المرافقة للتضحيات الهائلة تضجّ في سوريا (وفي الفضاءات الافتراضية التي صارت واقعاً مُعاشاً)، وما زلنا نتابع الأمر بإعجاب وذهول

برأيي، لا أمل لنظام آل الأسد في الاستمرار في وجه ثورة من هذا النوع. فقاعدة النظام الاجتماعية تضيق يوماً بعد يوم، والعقوبات الاقتصادية عليه تخنقه ولو ببطء (ولن تكفي مع الوقت مساعدات إيران المالية والصفقات مع العراق لإنقاذه)، وجيشه يُنهك وتتزايد الانشقاقات فيه وحالات الفرار من الخدمة وعدم الالتحاق بالمعسكرات الى تصاعد، وعزلته الدولية تزداد وطأة. والأهم، أنه فقد كل هيبته ورهبته وسطوته الرمزية التي كانت تكفي لإرهاب السوريين منه، وصار مجرّد آلة عنف سافر، ولو أنها شديدة الأذى مادياً

في المقابل، توسَّع انتشار الثورة داخل المدن بعد بدايتها الريفية ثم تمدّدها نحو ضواحي تلك المدن، كما تحسّن وضع المعارضة سياسياً منذ تشكيل المجلس الوطني، ولو أنها ما زالت أبطأ من حركة الشارع السوري الثائر، ولا أعتقد أن مهامها أصلاً بعد 41 عاماً من الحكم الاستبدادي واغتيال السياسة والحرّيات في سوريا سهلة. وأظن أن أي وقف للقتل يوماً واحداً سيملأ ساحات سوريا بالمواطنين والمواطنات المطالبين بإسقاط النظام ومحاكمته. والمراقبون العرب بهذا المعنى أمام امتحان مصداقية غداً الجمعة حين ستنطلق المظاهرات الأسبوعية

 

على أن هذا كلّه لا يعني أن الخواتيم السعيدة صارت قريبة. فالعائلة الحاكمة تبدو مستعدّة في دفاعها عن سلطتها الى الذهاب بعيداً والتلويح بحرق سوريا. وهذا قد يؤدّي الى انزلاق مع الوقت نحو عسكرة للثورة وتحويل لها الى كفاح مسلّح. والأمر عندها سيتخطّى ما نشهده اليوم في بعض المناطق من اشتباكات محدودة بين جنود منشقين وقوات النظام أو بين مجموعات صغيرة تحاول حماية أحيائها من الشبيحة والأمن، ليصبح أشبه بالحرب الشاملة، والمكلفة بطبيعة الحال. وهو بالطبع ما لا أتمنّاه، لأنني مقتنع بأن سلميّة الثورة رغم الآلام تظلّ الأقوى أخلاقياً وسياسياً، وهي تؤسّس لمستقبل سوري بأضرار أقل. ويمكن للمزيد من الإجراءات العربية والدولية العقابية أن تحول دون هذا الانزلاق الذي يعمل على وقوعه النظام السوري بعد أن فقد كل أوراقه. كما يمكن لبعض المتردّدين داخل سوريا، لا سيّما في مدينتي دمشق وحلب أن يساهموا في لجم الانزلاق هذا إن ضاعفوا من مشاركتهم في الثورة ومظاهراتها

وأظنّ أن المرحلة المقبلة ستشهد حسم عدد من العواصم مواقفها تجاه الوضع السوري (أنقرة بخاصة) لأن استمراره على ما هو عليه يهدّد الجوارَ بأكمله ويُفضي الى نفس النتيجة التي يخشى منها من كان يخاف تبعات التغيير (واشنطن بخاصة، نظراً للحدود مع إسرائيل والعراق… وهذا في ذاته مؤشّر على بلاهة نظريات المؤامرة). لذلك ستحدث تعديلات هامة برأيي في المناخين العربي والدولي في الأشهر المقبلة لأن موسكو وبكين لن تبقيا عندها على موقفهما الحاد الحامي للنظام من دون أن ننسى الوضع الداخلي في موسكو الذي قد يُؤثّر أيضاً في السياسة الخارجية

المسألة إذن مسألة وقت، وكلفة بشرية واقتصادية. لكن سقوط النظام السوري حتمي

أما حزب الله، فسيستمرّ بدعم نظام الأسد الى أن تدرك طهران أن سقوطه وشيك وأن المطلوب فكّ الارتباط به وتدبّر أمر حزب الله ضمن الحدود اللبنانية وبعلاقة مباشرة به من دون مرور سوري. عندها، سيلوذ الحزب بالصمت، باحثاً عن معادلة لبنانية جديدة، لست من القائلين بأنه سيصير الطرف الضعيف فيها. على أنني أودّ هنا القول بسرعة إن موقف حزب الله المخزي تجاه الثورة السورية، وازدواجية معاييره تجاه الثورات العربية عامة، لم تدفعه بتقديري الى إرسال مقاتلين الى سوريا لمساعدة النظام على ما يُشاع في لبنان وفي بعض الأوساط في سوريا من منطلقات هي غالباً مذهبية. فلا النظام السوري يحتاج لمقاتلين أو بالأحرى لقتَلة، ولا الحزب يستطيع التورّط بأكثر من الدعم الإعلامي والسياسي. ولو كان صحيحاً أن له قتلى في سوريا لعُرفت الأخبار في قرى الجنوب والبقاع وشاعت… وفي أي حال، لا شكّ أن الثورة السورية أصابت صورة الحزب خارج لبنان بأضرار جسيمة، ويمكن بالأحرى القول أنّها ظّهرت جانباً من الصورة الحقيقية له، تلك التي لا تردعه عن دعم الاستبداد بسبب مصالحه ومصالح إيران، وهو أمر كان يجهله كثر من العرب (والسوريين بخاصة) بسبب الدعاية المقاومة، وها هم اليوم يقفون أمامه مصدومين

أخيراً هل برأيك أن الحركات الاسلامية ستجتاح الربيع العربي لتتحقّق بذلك مزاعم الفزّاعة الاصولية التي كان ينادي بها اصحاب الأنظمة الديكتاتورية قبل خلعهم

نحن أمام حقبة جديدة في المنطقة، من علاماتها سقوط مبدأ "الى الأبد" في السلطة، ومن علاماتها أيضاً تراجع الخطاب الايديولوجي العام لحساب الكلام المباشر في قضايا الحريات والانتخابات ومكافحة الفساد. لكن الانتقال من الاستبداد الى شكل من أشكال الديمقراطية – ولو بحدودها الدنيا في فترة – عرضة للمرور في مرحلة يقطف ثمار النجاح فيها التيار الأكثر تنظيماً، القادم من خارج النخب السياسية السابقة، والمدّعي عُذرية سياسية لجهة ممارسة السلطة، نتيجة قمعه الفعلي لسنوات. وهذا التيار هو تيار الأخوان المسلمين. على أنه في أدبياته يتحدّث اليوم عن قبوله بالدولة المدنية، وهو يصل السلطة من خلال انتخابات حرّة وآليات دستورية، وقد يخسر السلطة وفق نفس الآليات لاحقاً، وليس في برنامجه دعوة للعنف ولا لإقامة الدولة الدينية. هل يُناور أو يخفي ما يُضمر؟ السؤال ستجيب عنه تجربته المقبلة في السلطة. لكنني لا أخشى من فوزه، وأرى أن واجب "الديمقراطيين" في أي حال هو العمل للدفاع عن الحرّيات وعن حقوق المرأة التي يخاف على القليل الموجود منها – وعن حقّ – كثرٌ نتيجة تقدّم الحركات الإسلامية. ومن واجب "الديمقراطيين" أيضاً الدفاع عن حقوق غير المسلمين في المواطنة والمساواة أمام القانون وفي التمتّع بكامل حرّية المعتقد ومقتضياته. وهي كلها أمور لم يحترمها أصلاً خلال العقود الماضية أي من الأنظمة التي ادّعت العلمنة والتصدي للإسلاميين.

يبقى التوقّف سريعاً عند السلفيّين، في مصر تحديداً، الذين شكّلوا ربما المفاجأة الفعلية في الانتخابات. وظاهرتهم أكثر تعقيداً، لعب فيها المال الخليجي، والسعودي بخاصة، كما الإعلام والفضائيات، والأزمات الاجتماعية، والميل للتديّن في البيئات المحافظة، وسهولة التواصل في المساجد والمؤسسات الدينية وحملات الحج، وتواطؤ السلطات السياسية وأجهزتها الأمنية للتخويف تارة ولإضعاف الخصوم تارة أخرى، لعبت جميعاً فيها أدواراً أساسية، وها نحن بعد زوال رأس الاستبداد نجدها أمامنا. لكن مجدّداً، لن يستطيع هؤلاء فرض قوانين أو تشريعات تخالف دساتير بلادهم وتتنافى مع الاتفاقات الدولية التي وقّعتها البلاد تلك. فهم رغم أهمّية كتلتهم يظلّون أقلّية، وجلّ ما يستطيعون المطالبة به – وحتى هذا ليس بالضرورة ما سيسعون لفعله – هو رقابة ثقافية هنا، وفرض فصل بين الرجال والنساء هناك، وهذا يمكن التصدّي له أيضاً من خلال حملات مضادة

حركات الإسلام السياسي إذن، كما الحركات العلمانية، هي اليوم أمام امتحانات كبرى بعد زوال جوانب عدّة من أنظمة الاستبداد. ومشاكل مجتمعاتنا الهائلة لا تكفي الابتهالات وصلوات الجمعة لحلّها. لذلك لا أرى مخاطر من وصول إسلاميين بواسطة صناديق الاقتراع الى الحكم، ودخولهم المعترك السياسي اليومي سيحوّلهم الى لاعبين سياسيين مثل غيرهم وسيغيّرهم مع مرور الوقت

وفي أي حال، لا أظن أن قسماً كبيراً من الملايين الذين ملؤوا الساحات في أكثر من بلد سيستسلمون لأي استبداد جديد، ديني كان أو غير ذلك. فهم عرفوا معنى النزول الى الشارع، ومعنى هدم جدران الخوف، ولنا في استمرار الثورة في مصر اليوم ورفض ترويضها خير مثال على ذلك

 

كلمة أخيرة

الأمل في العام 2012 هو باستمرار هذا الربيع وبتحقّق الحرّية للشعب السوري، ولكل الشعوب العربية من البحرين والسعودية واليمن الى ليبيا وتونس والجزائر والمغرب. والأمل أيضاً هو بربيع فلسطيني جديد، يستأنف ما حقّقته الانتفاضة الشعبية الأولى عام 1987، ويكون محطة مفصليّة على طريق بناء دولة فلسطينية مستقلّة وفرض الاعتراف بها دولياً